‏إظهار الرسائل ذات التسميات العلمانية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العلمانية. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 25 مايو 2016

المذاهب الإسلامية في الدولة المدنية

العلمانية الثالثة
المذاهب الإسلامية في الدولة المدنية
عصام صالح القيسي


العلمانية الثالثة
 (خارطة طريق سياسية جديدة)

مقدمة

أعادت الانتفاضات الشعبية العربية الأخيرة إلى طاولة النقاش عدداً من القضايا الإشكالية المزمنة في الفكر السياسي العربي. وفي مقدمتها مفهوم العلمانية والدولة المدنية. بعد أن ارتفعت أسهم هذين المفهومين في الأوساط الشعبية مؤخراً. وهو ما ينذر بارتفاع حدة الصراع بين أطراف الخلاف التقليدي حولهما مستقبلاً. ولا شك عندي أنه سيكون خلافاً مثمراً ما بقي في دائرة الفكر.

إن عودة هذه المفاهيم إلى سطح الحياة السياسية والثقافية أمر لا مفر منه، لأن شروط المرحلة التاريخية التي نمر بها هي التي تقرر ذلك، ولا يستطيع فرد أو جماعة محدودة أن تغير الشروط التاريخية، إلا كما يستطيع أحدهما أن يغير أقداره. والتيار الذي يرفض طرح هذه المفاهيم للتداول المعرفي – فضلاً عن التطبيق السياسي – يعجز عن مقاومة شروط المرحلة، أو بعبارة أخرى يعجز عن تغيير روح العصر. لأنه لا يمتلك القدرة على المبادرة الإيجابية في هذا الصدد ولا الإمكانات. وكل ما تسعفه به خبرته التاريخية هو الوقوف حائط صد أمام كل رياح التغيير القادمة. وهو بطبيعته موقف سلبي. والمواقف السلبية قد تمنع حصول شيء في لحظة ما، لكنها لا تستطيع الصمود في وجه الحاجات والمتغيرات لفترة طويلة. وهذا بالضبط ما يفسر حالات التراجع الكثيرة التي اضطر إليها هذا التيار عن بعض المواقف المتشددة طوال العقود الماضية بدوافع التحول الحضاري القسري.

كانت الديمقراطية كفراً، والحزبية تفرقاً في الدين، والاشتغال بالسياسة منازعة لولي أمر المسلمين في حق من حقوقه الشرعية، والتحاور مع الغرب خيانة. وكانت الموسيقى فسقاً، والغناء تخنثاً، والتصوير الفوتوغرافي مضاهاة لخلق الله. وكاد أحمد لطفي السيد أن يلقى حتفه تحت كراسي القاعة حين صرح في حفله الانتخابي أنه – والعياذ بالله – مؤمن بالديمقراطية!. كل ذلك وغيره كانت قناعات دينية عند تيار كبير من المسلمين. وها هي اليوم تتحول - رويداً رويداً - إلى مقولات متحفيّة تاريخية على يد الجماعات السلفية نفسها.

إذن ما الذي يمنع أن نشهد في المستقبل تحولاً في قناعات هذه الجماعات تجاه مفاهيم العلمانية والدولة المدنية، وغيرها من المفاهيم التي تم شيطنتها في الخطاب المذهبي لهذه الجماعات، طوال العقود الماضية؟.

لقد أصبحت الدولة المدنية - بمضامينها الديمقراطية والعلمانية - حاجة اجتماعية في بعض المجتمعات الإسلامية، وضرورة وجودية في بعضها الآخر. ولو لم يكن معنا سوى قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات" لكفتنا إعادة طرح واستدعاء هذه المفاهيم إلى حياتنا السياسية والمعرفية.

لكن يا ترى هل بقي شيء في مفهوم العلمانية يستحق النقاش، بعد كل المداد الذي أريق حولها في الفترات الماضية؟. ألا يصح عليها ما قيل في علم النحو العربي قديماً، من أنه قد نضج حتى احترق؟!.

أيا ما تكن الإجابة فإن بقاء المشكلة العلمانية على المستوى السياسي يعني أن باب الكلام فيها مازال مفتوحاً ومبرراً. وانطلاقاً من هذا المعنى الأخير يتساءل الكاتب: هل العلمانية مشكلة عربية لا تقبل الحل؟. هل تشبه مشكلة الرجل القصير الذي لا يمكن أن يطول مهما حاول؟!.

يتطوع الكاتب بالإجابة عن هذا السؤال بالنفي. مستنداً في ذلك إلى عدد من الحقائق: أولها: أن العلمانية مفهوم مرن غير مستقر، يقبل إعادة التشكيل وفق الخصوصيات الثقافية لكل أمة. وثانيها: أن الخطاب الديني السياسي المناهض للعلمانية، يعاني من عيب خطير، لا يمكن تبريره، ولا مجال للشك فيه، هو عيب الخلط بين ما هو دين وما هو فكر ديني. باعتبار أن الدين هو ذلك المنزل السماوي المقدس، وأن الفكر الديني هو ذلك المنتج البشري، الناتج عن دوران العقل حول النص الديني. وهو عيب يفقد الخطاب المعادي لمبدأ العلمانية كثيراً من قوته الحجاجية. وثالثها: بناء على ما تقدم فإن الزعم بوجود تناقض بين العلمانية والإسلام، قبل تحديد المفهومين، بصورة دقيقة وحاسمه، وقبل تخليصهما من الزوائد الطارئة عليهما، هو نوع من الخفة التي لا تليق بأهل الفكر.

وإذا ما حسبتُ أن الحقائق الماضية محل اتفاق بيني وبين القارئ فإن المقام يقتضي طرح هذا السؤال: هل في الإمكان إعادة تعريف الإسلام والعلمانية دون المساس بحقيقتيهما الذاتيتين؟. وبصيغة أخرى: هل في الإمكان اكتشاف العلمانية في الإسلام، أو اكتشاف الإسلام في العلمانية، بدون اعتساف أو تكلف يذهب بحقيقتيهما معاً؟!.

وقبل أن يتطوع الكاتب بالجواب فإنه يود التأكيد على الحقائق الآتية:
1: إن أي مقاربة لهذه المشكلة لا تتسم بالموضوعية هي مقاربة محكوم عليها بالفشل ابتداء، من أي جهة صدرت.
2: إن الموقف الأبستمولوجي (المعرفي) للمشكلة هو الأقرب نسباً إلى الموضوعية العلمية، على عكس الموقف الأيديولوجي (المذهبي) الذي يتسم – من حيث طبيعته - بالتحيز والتلوين.
3: ستظل الأيديولوجيا هي مثار النقع في حياة العرب السياسية، ولا قرار للنظم السياسية، ولا للحياة الاجتماعية، مادامت الأيديولوجيا هي محور الصراع السياسي عندهم.
4: لا أمل مطلقاً في أن تنتهي مشكلة العلمانية بمجرد تجاهل خصومها لها، ولا بمجرد تصلب دعاتها على أشكالها التقليدية العقيمة.

وبناء على المقدمات الماضية يمكننا طرح صيغة ائتلافية جديدة بين الإسلام والعلمانية، تحقق غايتهما الجوهرية (العدالة والسلام والتنمية)، ولا تمس حقائقهما الذاتية. تقوم هذه الصيغة على مبدأ إعادة تعريف المفهومين المشكلين.

أما المفهوم التاريخي للعلمانية فقد حققه الدكتور عبد الوهاب المسيري، بصورة شبه وافية، في كتابه " العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة". وهو الجهد الذي تستند إليه هذه الأطروحة. وقد خلص المسيري إلى وجود طرفين نموذجيين في المتتالية الزمنية العلمانية: طرف العلمانية الجزئية، وهي تلك الحالة التي يتم فيها فصل الدولة عن الدين. (مع ملاحظة التطور التاريخي لمفهوم الدولة). وطرف العلمانية الشاملة، وهي تلك الحالة التي يتم فيها فصل الدين عن الحياة. ثم يكاد المسيري يرشح للمجتمعات العربية العلمانية في صورتها الجزئية.

وإذا كنا نتفق مع د. المسيري في تحليله للعلمانيتين وتفريقه بين نموذجيهما الرئيسين، كما نتفق معه في رفض العلمانية الشاملة، إلا أننا - لمبررات موضوعية - نتحفظ على قبول اقتراحه بجعل "العلمانية الجزئية" مشروعاً سياسياً عربياً. وذلك للاعتبارات الآتية:

1: ليس من منطق الديمقراطية، أن يكون الدين مرجعاً لمجتمع ما، ثم لا يكون مرجعاً لدولة ذلك المجتمع، ما دام هذا الأخير يراه مرجعاً شاملاً. وهذه – على الأقل – حجة الإسلاميين الأكثر وجاهة على خصومهم في هذا الجدل.

2: في الإسلام منظومة قيم عليا وشاملة، ومجموعة مبادئ أساسية للمجتمع المؤمن، ليس في إمكان أحد الزعم بأنها قاصرة عن أن تطال المجتمع السياسي المسلم، والسلوك السياسي للمسلمين. فقيم العدالة والحرية والمساواة والإيثار والتراحم...إلخ. هي قيم إسلامية مرجعية ومهيمنة على كل نشاطات المسلم في السياسة العامة وفي ما سواها. كما أن الله هو المبدأ الأول والأساس في المنظور الإسلامي، وهو المبدأ الذي ينبغي أن يكون نقطة الصفر في سير المجتمع الإسلامي في مختلف اتجاهات سيره.
هذا فضلاً عن وجود نصوص قطعية - من حيث دلالتها الإجمالية على الأقل - لا يمكن فصلها عن الدولة، لأنها تستهدف نشاطات مشتركة بين الأفراد والمؤسسات. مثل نصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ومنه تتأصل المعارضة السياسية من الوجهة الدينية)، وتحريم الربا والاحتكار والكنز،...إلخ، ستظل لها قوة حجاجية عالية في وجه الرافضين للمرجعية الإسلامية.

3: التحقيق العملي يدل على أن المشكلة ليست في الدين نفسه، بل في الفكر الديني النابت حوله. وتنحدر – تحديداً - من أربع مشكلات أصولية نوعية: الأولى، نصوص غير قطعية الدلالة. والثانية، نصوص غير قطعية الثبوت. والثالثة، نصوص غير قطعية الحجية. والرابعة، قصور في الجهازين المفاهيمي والفني للمؤسسة الدينية التقليدية المنتجة للخطاب الديني.

ونخلص من ذلك إلى ضرورة تطوير مقولة "العلمانية الجزئية" بحيث لا تتصادم مع الدين نفسه، ولا تبقي على مصادر القلق. ويمكننا فعل ذلك باقتراح صيغة جديدة للعلمانية الجزئية هي صيغة "فصل الدولة عن المذهب". سواء أكان مذهباً فكرياً أو كان مذهباً فقهياً. وسواء أكان مذهباً للفرد أم كان مذهباً للجماعة. وسواء أكان مذهباً تاريخياً قديماً أو كان مذهباً معاصراً.

هذا إذا نظرنا إلى جهدنا المتواضع هذا (العلمانية الثالثة) من زاوية نظر تاريخية. أما إذا نظرنا إليه من زاوية نظر أبستمولوجية (معرفية) بحتة فإنه لا شك يعد عملاً مستقلاً بذاته، نستدل على استقلاليته بحجة واضحة، قابلة للاختبار والفحص، هي أنه لا يعنينا من مفهوم العلمانية وتاريخها سوى تلك الدلالة المعجمية للفظة في القاموس العربي. والعلمانية (بفتح العين) في القاموس العربي الحديث نسبة إلى العالم، أي ما ينتمي إلى هذا العالم المشهود، دون عالم الدين أو عالم الآخرة. وعلى ذلك فإن كل ما ينتمي إلى عالم الدنيا فهو "علماني" حتى تثبت نسبته إلى الدين. لأن الأصل في الأشياء انتسابها إلى العالم / الدنيا، والاستثناء غير ذلك. وهو ما يعبر عنه الفقهاء عادة بقولهم: إن الأصل في الأشياء الإباحة. أو أن الأشياء على أصل البراءة.

 إلا أن من المهم أيضاً إعادة تعريف المذهب هنا، ليشمل كل نص يحتمل التأويل على أكثر من وجه. بحسب قواعد التأويل وشروطه المعتبرة في الأوساط والمؤسسات المختصة. ذلك أن المذهب لا يكون إلا فهماً ظنياً لنص غير قطعي. ولهذا فإن المذاهب لا يكفر بعضها بعضاً. ويكون النص ظنياً في ثبوته إذا لم يرد بطرق متواترة، وظنياً في دلالته إذا احتمل أكثر من تأويل.
 نقول ذلك استناداً إلى:

1: أن المذهب جزء من الفكر الديني لا من الدين. والفكر الديني كما نقول دوماً هو منتج بشري بحت، وما كان من منتجات البشر فهو محل أخذ ورد. وينطبق هذا الحكم على أصول المذهب قبل فروعه. وعلى أصول المذاهب وفروعها مجتمعة أو متفرقة.

2: أن معظم المذاهب الإسلامية المعتبرة لا يكفر بعضها بعضاً على الأصول أو الفروع المختلف حولها. مما يدل على أن الآراء ذات الطابع الخاص في المذاهب لا تعد من الضرورات الدينية التي يكفر منكرها عندهم. وعليه فلا فرق بين أن ينكر مذهب مذهباً آخر، وبين أن تنكر الدولة المدنية المذاهب المختلفة جميعها ما دامت تعترف بالنص الأول (الدين) الذي نشأ حوله الخلاف.

 3: دل الاستقراء على أن جميع المذاهب الإسلامية التقليدية – تقريباً - قد وقعت في الخلط بين ما هو دين وما هو فكر ديني. وأظهر مثال على ذلك أن الأصوليين لم يتفقوا إلى الآن على معايير حاسمة في التمييز بين ما صدر عن النبي (ص) في مقام الدين (الرسالة) وما صدر عنه في مقام الاجتهاد. مع غموض شديد في مكانة الاجتهاد النبوي من طبيعة "البلاغ المبين" الذي كلف به النبي (ص). هذا فضلاً عن وجود كثير من المشكلات الأصولية ذات الخطورة النوعية، كحجية الاجتهاد، وحجية الإجماع، ونسخ القرآن للقرآن. وغيرها من القضايا التي يترتب على إعادة النظر فيها تعديلاً بنيوياً في فلسفة الدين نفسه.

هذا – أيضاً – إذا مضينا وراء شيوخ الدين التقليديين في اعتبار مشروعية المذاهب الفقهية الناتجة عن عمليات الاجتهاد. أما إذا مضينا وراء مذهبنا القرآني فإن هذه المذاهب الجمعية كلها تعد مواليد غير شرعية لنكاح باطل عقده الفقهاء، هو نكاح الشريعة بالاجتهاد. وهو النكاح الذي يجعل من العقل البشري منتجاً للدين والقداسة. إلا إذا اعتبرنا مخرجات الاجتهاد المذهبي منتجات دنيوية مدنية (علمانية بلغتنا) كما صرح أبو حامد الغزالي في لحظة وضوح، وكما سيأتي تفصيله في سياق قادم.

وهنا قد يثور تساؤل من نحو: ماذا يتبقى في الدين بعد استبعاد المذاهب؟. وجوابنا واضح: يتبقى الدين الذي اكتمل قبل مجيء المذاهب!. أي مجموع النصوص الثابتة وروداً وحجية بصورة قطعية.

إن استبدال شعار "فصل الدين عن الدولة" بشعار "فصل الدولة عن المذهب" هو حل يتسم بميزات كثيرة منها:

 1: أن هذه الصيغة المعدلة لمفهوم العلمنة تحل العلمانيين من الحرج الذي يقعون فيه عند مطالبتهم باستبعاد الدين من مرجعية الدولة. ويوقع المذهبيين في حرج مماثل حين يصرون على جعل المذهب - وليس الدين - مرجعاً للدولة. وهو ما يعني تحييد أقوى حججهم في الصراع مع العلمانية.

 2: هذه الصيغة كفيلة بطي معظم نقاط الخلاف بين التيارين الديني التقليدي وخصومه بمختلف مشاربهم، وخاصة تلك الخلافات الفقهية والفكرية حول قانوني العقوبات والأحوال الشخصية نحو: قوانين عقوبة الردة وعقوبة الرجم للزاني المحصن، وقوانين الزواج المدني وأنصبة المواريث، وغيرها من المفاهيم المشكلة أمام الحياة المدنية الحديثة.

الفصل الأول


هذه الدراسة تفترض وجود مشكلة، سواء أكانت هذه المشكلة مفتعلة كما نعتقد، أو حقيقية كما يعتقد أصحابها. ومن ثم فإنها تفترض وجود حلٍ لهذه المشكلة، إذ لا مشكلة من دون حل، كما يقول الأثر الدارج. ثم إن هذه الدراسة تتوسل بطريقة منهجية مخصوصة للوصول إلى ذلك الحل. وسواء أكانت المشكلة حقيقية أو مفتعلة فإنها في الحالتين تظل مشكلة. وسواء أحصل الحل على كامل الرضى من أطراف الصراع حولها أو لم يحصل، فإنه لا مناص من البحث عن حل. وليس من شرط الحل الناجع والسديد أن يحصل على رضى جميع الأطراف المتخاصمة. ولا من شرط المنهج المتبع في الحل أن يكون معروفاً للجميع. إذ يكفي أن يكون الحل مزيلاً للخلاف، مبقياً على أصول العقائد المختلف حولها، وإن أدى إلى استبعاد الفروع الظنية التي تسبب النزاع وتفاقم الصراع. كما يكفي أن يكون المنهج قائماً على أسس معتبرة عند الجميع. والأسس المعتبرة هي الأسس التي حظيت باحترام الخصوم وإن لم تحظ بقبولهم، لاختلاف التأويل والاجتهاد. ومن ذلك – مثلاً - قول أهل السنة: إن مذهب المعتزلة من المذاهب الإسلامية المعتبرة، وإن كنا نختلف معها.

أما المشكلة فهي ذلك الصراع المحتدم بين فريقين مسلمين، الأول يؤمن بأن للدين حدوداً في حياة الإنسان لا بد أن يقف عندها ولا يتعداها إلى غيرها من حدود الدنيا. ويطلق على هذا الفريق اسم "العلمانيين". والآخر يؤمن بأن الدين (الإسلام تحديداً) يغطي كامل النشاط الإنساني، ولا يغادر كبيرة ولا صغيرة إلا تعرض لها بالبيان. وغالباً ما يقصد بالتغطية مفهوماً قانونياً (لكل تصرف حكم شرعي)، ويطلق على هذا الفريق اسم "الإسلاميين".

 هذا النزاع – أيا كانت درجة توتره وحضوره – لا بد أنه قد أثمر ويثمر كثيراً من المشكلات التي تعاني منها المجتمعات العربية والإسلامية على المستويات كافة. والقرائن الظاهرة تدل على أن هذا الصراع مرشح للتفاقم مستقبلاً. خاصة بعد أحداث الربيع العربي الأخيرة، التي أثمرت مزيداً من الوعي السياسي، وأدخلت إلى ساحة الصراع قطاعات جديدة وكبيرة من الجمهور العام، لها تأثيرها المباشر والحاسم في الحياة السياسية. وبعد عودة رايات الصراع المذهبي التقليدي إلى سطح الحياة العربية، عقب أفول نجم المد القومي، وفشل الدولة القومية في تحقيق العدالة والتنمية والاستقلال السياسي.

وأما الحل المقترح فهو مركب نظري جديد من الإسلام العلماني أو العلمانية المسلمة، أطلقنا عليه اسم "العلمانية الثالثة". وهو مركب يحاول الحصول على مناطق صلبة مشتركة بين طرفي النزاع، تبقي على الجوهري والحقيقي من المركبين اللذين يعتقد أنهما في حالة خصام (الإسلام والعلمانية)، وتستبعد الطارئ العارض منهما، دون تكلف أو افتيات أو تلفيق، كما سيتضح في طيات هذه الدراسة. وبلغة أخرى فإن الدراسة تحاول إيجاد صيغة نظرية لحل مشكلة الصراع المفتعل بين الدولة المدنية - كما ينشدها الجميع - وبين المذاهب الدينية. وفي مقدمتها المذاهب السياسية التي تستند في تبرير وجودها على النص الديني. أو بالأصح التي تستند في تبرير وجودها إلى "فهمها" للنص الديني. حلاً يزيل مخاوف الطرفين الرئيسين في هذا الصراع: الطرف العلماني والطرف الإسلامي.

ويجدر التنبيه إلى أننا نستخدم كلمتي "علماني" و"إسلامي" بحذر شديد، وبدلالات قد لا تتطابق مع ما في ذهن القارئ من دلالات. فكلمة علماني – كما نقصدها – لا تعني بالضرورة نقيض المسلم. إذ قد يكون العلماني مسلماً - وهو الاحتمال الأكبر حين يكون الحديث عن العلمانية في البلاد الإسلامية - بل قد يكون مسلماً ملتزماً بالمنظور الإسلامي فلسفة ومنهجاً، دون أن تنقص علمانيته – بمفهومها الخاص الذي سيرد معنا في هذه الدراسة – من التزامه الديني شيئاً.

 وكلمة "إسلامي" لا يشترط أن تتطابق تماماً مع كلمة "مسلم". وإنما نقصد بها ما قصده أصحابها الذين أطلقوا على أنفسهم هذه التسمية. فالإسلامي - عندنا وعندهم - هو ذلك الشخص، أو ذلك الاتجاه، الذي يعتقد أنه يتبنى المنظور الإسلامي فلسفة ومنهجاً. لكن ليس بالضرورة أن يكون اعتقاده هذا مطابقاً للإسلام، فقد يتبنى المرء شيئاً يعتقد – على سبيل غلبة الظن – أنه الحق، ثم يتبن له أو لغيره من المحققين أن ذلك الاعتقاد – كله أو بعضه - محض خطأ ووهم. وهذا الإجراء في التسمية - وفق غلبة الظن - معروف في التراث الإسلامي. ومثله البارز وصف المحدثين للحديث المنسوب إلى النبي (ص) بـ "الصحيح"، مع قولهم إنه لا يلزم من ذلك أن يكون صحيحاً على وجه القطع، وإنما القصد أن شروطاً وضعية معينة قد توفرت فيه .

وأما منهج الدراسة فهو المنهج التحليلي، الذي يفكك المركبات النظرية إلى أبسط عناصرها، ويميز بين جواهرها وظواهرها، بين أصولها وفروعها. ويتضح ذلك – أكثر ما يتضح - في تحليل المفاهيم البؤرية لهذه الدراسة. ذلك أن  تحليل المصطلحات والمفاهيم هو العتبة التي لا غنى عنها في الدخول على الدراسات ذات الطابع الإنساني، فما بالنا إذا كانت هذه الدراسة تتصل بأمرين خطيرين في حياة الفرد والمجتمع، كأمر الدين وأمر السياسة، كما هو حال دراستنا هذه. والمهتمون بعلم اللسانيات – فضلاً عن المختصين – يدركون إلى أي مدى تصبح التناولات العلمية بلا قيمة إذا خلت من التحديد الدقيق للمصطلحات والمفاهيم. وكان الفلاسفة من قديم – وفي مقدمتهم سقراط – والفقهاء قد نبهوا إلى خطورة استعمال المصطلحات غير المنضبطة دلالياً، لأن الناس قد تختلف على مستوى الألفاظ وهم متفقون على مستوى المضامين، من حيث لا يشعرون. قال ابن حزم "والأصل في كل بلاء وعماء وتخليط وفساد: اختلاط الأسماء ووقوع اسم واحد على معاني كثيرة، فيخبر المخبر بذلك الاسم، وهو يريد أحد المعاني التي تحته، فيحمله السامع على غير ذلك المعنى الذي أراد المخبر، فيقع البلاء والإشكال" .

إلا أن ممارسة التحليل منفرداً في مثل هذه الدراسة هو بمثابة نصف خطوة في الطريق. أما النصف الآخر فتحققه عملية التأصيل التي تعيد تركيب العناصر المتحللة في الدراسة. وترد الشوارد إلى مواردها والفروع إلى أصولها. والتأصيل هو المنهج المقرب من الدراسات الفقهية تحديداً. وهو شرط أساس في الخروج بأحكام ملزمة للطرف الإسلامي على وجه الخصوص. ولو لم تحصل منه على الاعتراف الكامل والمصادقة التامة، إذ يكون الاستدلال المعتبر هو حد الكفاية في هذه الحال.

ومن بين مصطلحات كثيرة سترد معنا في هذه الدراسة مصطلحات بؤرية مهمة هي: الدين، والمذهب، والأيديولوجيا، والعلمانية، والديمقراطية، والدولة المدنية. وهي من المصطلحات الأكثر شيوعاً في الخطابين الديني والسياسي. وقد ارتأينا أن نتناول بالتحليل كل مصطلح من هذه المصطلحات، كما نفهمه ونقصده في هذه الدراسة، في سياق الحديث عنه بصورة أساسية، أو عند الحاجة إلى التعريف به. وأول ما نتناول بالتحليل مصطلحات: الدين والمذهب والأيديولوجيا. لكونها مفاتيح هذه الدراسة، ولما بينها من وشائج دلالية عالية.

الدين، المذهب، الأيديولوجيا:

لعل من سوء الطالع أن نبدأ هذه الدراسة بالقول إن تعريف مصطلح "الدين" ليس من المهام السهلة لأي باحث، وذلك لسببين اثنين على الأقل، الأول خلو المعاجم العربية من تعريف واضح دقيق لهذا المصطلح، وهو الأمر الذي اشتكى منه الفقيه الكبير محمد عبد الله دراز حين شرع في دراسته الموسومة بـ "الدين" . والآخر هو تعدد واختلاف المفاهيم حول هذا المصطلح حتى عند الفلاسفة والمفكرين الغربيين أنفسهم. وهو الأمر الذي يدفعنا إلى تبني التعريف الذي استقر عليه الدكتور دراز في كتابه سالف الذكر، لما يتسم به هذا التعريف من دقة ووضوح نسبيين، ناتجين عن جهد نقدي ممتاز.

والدين في هذا التعريف هو "الاعتقاد بوجود ذات – أو ذوات – غيبية – علوية، لها شعور واختيار، ولها تصرف وتدبير للشئون التي تعني الإنسان، اعتقاد من شأنه أن يبعث على مناجاة تلك الذات السامية في رغبة ورهبة، وفي خضوع وتمجيد. وبعبارة موجزة، هو: الإيمان بذات إلهية، جديرة بالطاعة والعبادة. هذا إذا نظرنا إلى الدين من حيث هو حالة نفسية state subjective بمعنى التدين.

 أما إذا نظرنا إليه من حيث هو حقيقة خارجية fait objective فنقول: هو جملة النواميس النظرية التي تحدد صفات تلك القوة الإلهية، وجملة القواعد العملية التي ترسم طريق عبادتها" . ولفظ "الدين" إذا ورد في دراستنا هذه فإنما ينصرف القصد – غالباً - إلى الحقيقة الخارجية كما يسميها دراز. أي إلى "جملة النواميس النظرية التي تحدد صفات تلك القوة الإلهية، وجملة القواعد العملية التي ترسم طريق عبادتها". ويتكفل السياق بالدلالة على المعاني الأخرى لهذا المصطلح إذا وردت.

والأمر في تعريف "المذهب" لا يختلف كثيراً عن تعريف الدين، فالمشكلات النظرية هناك هي نفسها هنا. غير أنه لا مناص لنا من اختيار أقرب معانيه في المعجم إلى مقاصدنا. والمذهب في "القاموس المحيط" هو " المعتقد الذي يُذهبُ إليه، والطريقة، والأصل " . والمذاهب الإسلامية هي تلك الآراء والمعتقدات السياسية والفكرية والفقهية، التي انبثقت من دوران العقل المسلم حول النص الإسلامي، في ما يسمى بعملية الاجتهاد والتدبر، وفقاً لقواعد أصولية ومنهجية تختلف من مذهب إلى آخر. سواء أكانت مذاهب قديمة أو مذاهب حديثة، فردية كانت أو جماعية. والمذهبية أو التمذهب – عند الفقهاء - هو "أن يقلد العامي أو من لم يبلغ رتبة الاجتهاد مذهب إمام مجتهد، سواء التزم واحداً بعينه أو عاش يتحول من واحد إلى آخر" . والشخص المذهبي – من ثم – هو هذا المقلد الذي يلتزم مذهباً فقهياً أو فكرياً بعينه، على الوصف الذي مر آنفاً.

والدراسة تميز- أيضاً - بين مصطلحين متقاربين كثيراً ما تداخلت حدودهما عند المسلمين، فقهاء ومقلدين، هما مصطلح "الشريعة" ومصطلح "الفقه". على اعتبار أن الشريعة هي مجموعة النظم والأحكام الموحى بها إلى النبي محمد (ص) ضمن رسالته التي كلف بإبلاغها للناس كافة. وأن الفقه هو ثمرة اجتهاد العقل المسلم في تدبر نصوص الوحي، وهو مرادف مصطلح الفكر الديني كما نستعمله في هذه الدراسة. أما إذا وردت كلمة شريعة في سياق الحديث عن المرجعية الدستورية للدولة، في طيات هذه الدراسة، فإنما تشير إلى جانب المعاملات والأحكام العادية، دون الأحكام التي توصف بالتعبدية. لأن هذه الأخيرة تخص الأفراد دون الجماعات، والدستور هو قانون الجماعة لا قانون الفرد.

والفقهاء المحققون – أيضاً – يميزون بين هذين المصطلحين، على اختلافٍ بيننا وبينهم في تصور حدود دائرة الوحي المقصودة. حيث تشمل عندهم نصوص القرآن الكريم والأحاديث المنسوبة إلى النبي (ص)، في حين تقتصر لدينا هذه الدائرة على القرآن الكريم وحده لأسباب فصلناها في دراسة أخرى . وذلك هو معنى عبارة الفقيه الحجوي الفاسي التي تقول: "بالوفاة النبوية انتهى تاريخ التشريع الإسلامي، ولم يبق بعد إلا تاريخ الفقه" . فعبارة "بالوفاة النبوية" تسمح بدخول كلام النبي (ص) واجتهاداته إلى دائرة الشرع، وتستبعد مخرجات المسلمين العقلية من بعده من هذه الدائرة، وهو ما لا نقره، لأسباب علمية سترد معنا بعد قليل. في حين تتسع دائرة الشريعة عند فقيه آخر معاصر مثل محمود شلتوت لتشمل مخرجات الفقهاء أيضاً، حيث عرف الشريعة بأنها "اسم للنظم والأحكام التي شرعها الله، أو شرع أصولها، وكلف المسلمين إياها، ليأخذوا أنفسهم بها في علاقتهم بالله، وعلاقتهم بالناس" . فعبارة "أو شرع أصولها" تسمح بدخول اجتهادات النبي واجتهادات غيره من المجتهدين إلى دائرة الشرع أيضاً. وهذا التعريف، أو هذه العبارة تحديداً أولى بالرفض من التي سبقتها. وكلاهما زائدة عن حد الكفاية في تعريف الشريعة، وذلك للأسباب الآتية:

اتفق جمهور علماء المسلمين على أن النبي محمد (ص) كان له مقام الاجتهاد إلى جوار مقام البلاغ، واحتجوا على ذلك بأدلة لا مجال للنزاع فيها إلا على سبيل التكلف . ومن مقتضيات ذلك أن لا ينظر إلى اجتهادات النبي بوصفها جزءاً من الرسالة الموحى بها، لاختلاف طبيعة الوحي الرسالي عن طبيعة الاجتهاد اختلافاً نوعياً. فالرسالة – في إحدى خصائصها - عابرة للزمان والمكان. أما الاجتهاد فهو فهم بشري قصد به تنزيل قيم الرسالة وأحكامها على الوقائع الزمنية. وهو لهذا محكوم بظروف الزمان والمكان كما يقول الفقهاء . وهذا الحكم يصح على اجتهادات النبي كما يصح على اجتهادات غيره من المجتهدين، ما دام بشراً خاضعاً في فهمه لشروط الزمان والمكان.

 أما قول بعضهم إن اجتهادات النبي قد صارت في منزلة الوحي بمجرد سكوت الوحي عنها وقت التنزيل، مما يعد تصحيحاً لها، فهو قول عارٍ عن الحصافة فضلاً عن الفقه. ذلك أن سكوت الوحي لا يدل - بالضرورة - على صلاحية هذه الآراء لكل عصر ومصر، بل يدل فقط على أنها صالحة لزمانها ومكانها. وإلا اطرد الحكم على كل ما سكت عنه الوحي في زمن التنزيل، ومن ذلك أفعال الصحابة واجتهاداتهم. فإذا قيل إن هذا الحكم خاص باجتهادات النبي وحدها وقت التنزيل، سألناهم: وماذا عن اجتهاداته بعد انقطاع التنزيل، وقوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً. (المائدة3)؟. وقد لحظ الفقيه المعاصر محمد رشيد رضا هذا الإشكال وصرح بأن تصويبات القرآن الكريم لاجتهادات النبي (ص) الخاطئة ليست سوى عينة محدودة جاءت للتدليل على بشريته، وليس في القرآن دليل واحد على أنه قد تم تصويب كل اجتهادات النبي لوقائع زمنه. وفي السيرة شواهد كثيرة على صحة ذلك.

إذن فإن هذه الدراسة ستتعرض - بصورة أو بأخرى - للمذاهب التي عرفت في الأدبيات الإسلامية بالمذاهب الإسلامية، وهي ثلاثة أنواع تاريخية: المذاهب السياسية، التي اختلفت حول موضوع الخلافة والإمامة (الرئاسة). والمذاهب الفكرية التي اختلفت في قضايا فلسفية، كقضية الجبر والاختيار وما شابه ذلك من القضايا ذات البعد الفلسفي، في القديم والحديث. والمذاهب الفقهية التي اختلفت في مسائل الأحكام والمعاملات الشرعية ذات الطابع القانوني. لكن صلب حديثنا سيكون موجهاً ناحية المذاهب السياسية، لأنها سيدة الصراع. كما أنها ستتعرض – كذلك – لذكر المذاهب الوضعية الراديكالية ذات الطابع الشمولي، والتي اصطلح على تسميتها في الأدبيات الإنسانية المعاصرة بـ " الأيديولوجيا ". وتعد الماركسية – بتجلياتها التطبيقية المختلفة - هي الممثل التقليدي البارز لهذا النوع من المذاهب. والأيديولوجيا – كما وردت في مستهل مقالة دائرة المعارف البريطانية – : " هي شكل من أشكال الفلسفة السياسية أو الاجتماعية، تظهر فيها العناصر التطبيقية بالأهمية نفسها التي تظهر فيها العناصر النظرية. فهي إذن منظومة فكرية تدعو إلى تفسير الدنيا، وإلى تغييرها في آن واحد " .

وعلى الرغم من أن كلمة "مذهب" هي إحدى ترجمات كلمة "أيديولوجيا" إلا أننا  ارتأينا في هذه الدراسة أن نقصر مصطلح " أيديولوجيا " للدلالة على المذهب الوضعي فحسب. في حين نستعمل كلمة "مذهب" للدلالة على المذاهب الدينية. وذلك من باب الإجراء الذي يسهل علينا عملية التحليل. ومع ذلك فإن هذا التمييز الإجرائي في دلالة هاتين اللفظتين ليس عملا اعتباطيا، وإنما هو توظيف للواقع التداولي لكل منهما في الوسط الثقافي والمعرفي. كما سيرد معنا مصطلح فرعي هو مصطلح "راديكالي"، ونعني به صاحب الاتجاه النظري والتطبيقي الذي يتبنى رؤية شمولية للعالم ورؤية جذرية في التغيير .

ويجدر التنبيه – أيضاً – إلى أننا ننطلق في هذه الدراسة التحليلية من بدهية تقول إن المذاهب الدينية لا تعدو أن تكون محاولات بشرية منظمة لفهم النص الديني، أو ما يعتقد أنه نص ديني. وأن هذه المحاولات تقع في التاريخ. والتاريخ هو ظرف الزمان والمكان الذي  يتسم بالحركة والتطور. مما يعني أن أياً من هذه المذاهب لا يمكن أن يتسم بالثبات والديمومة، فضلاً عن أن يتسم بالقداسة. وأي محاولة باتجاه تثبيت المذهب، فإنما تريد القول بأن ما ينتجه البشر مساوٍ - في القيمة – لما ينزل من السماء وحياً إلى الأنبياء. وهو معنى يدخل في باب الشرك بلا جدال. ومن ثم فإن المذهب الديني لا يعد جزءاً من الدين المقدس، وإنما هو جزء من الفكر الديني. باعتبار أن الدين هو – فقط – ذلك المنزل السماوي الموحى به إلى النبي. وأن الفكر الديني هو ثمرة دوران العقل المتدين حول النص الديني. وهو بطبيعته ناتج مدني صرف. وهذا ما علمه وصرح به الفقهاء المحققون قديماً وحديثاً، كما سنرى ونحقق في طيات هذه الدراسة.

لاشك أن القارئ سيجد بعض الغموض في هذه الدراسة، لكنه ليس غموضاً ناتجاً عن انبهام الحقيقة أو عن ارتباك الفكرة، بل هو غموض ناتج عن تلك الطبيعة التي تتسم بها كل محاولة ترمي لإعادة تعريف وتأصيل المفاهيم، خارج حدود المتعارف عليه. وهو الأمر الذي حرصت عليه هذه الدراسة حرصاً شديداً. تفادياً للوقوع في الخطأ الشائع الذي تقع فيه معظم الدراسات الشبيهة، ألا وهو خطأ الخوض في التنظير قبل البت في تحديد المصطلحات تحديداً دقيقاً واضحاً يمنع اختلاف التصورات حولها قدر الإمكان.
إن هذه الدراسة تطمح إلى وضع نظرية – أو ملامح نظرية - في الفكر السياسي الإسلامي، تقوم على إعادة تعريف المصطلحات وإعادة تحديد المفاهيم المشتبكة في هذا السياق. تعريفاً يتسم بالوضوح والدقة والمقبولية الدينية والعلمية، بشرط أن يفهم كل عنصر من عناصرها داخل النسق الذي وضعت فيه. وأي محاولة لفهم عناصر هذه الدراسة خارج نسقها، سيكون مآلها – في الغالب – سوء الفهم وإساءة الظن.

الدولة والمذاهب:

نقصد بمصطلح الدولة هنا معناه الخاص، أي النظام السياسي السيادي (الجهاز الحاكم)، لا معناه العام الذي يشمل كلاً من الشعب والإقليم والحكومة. والدولة بهذا المعنى الخاص هي "مجموعة المؤسسات السياسية والقانونية السيادية التي تصون سلامة واستقرار المجتمع داخلياً من خلال الدستور والقانون، ولها حق استخدام القوة بشكل قانوني لتطبيق القانون لضبط حركة المجتمع، كما تتولى صيانة الاستقلال والدفاع وحفظ الأمن من أي عدوان خارجي، وتنظم عملية استغلال الموارد الطبيعية، وخدمة مصالح المجتمع، وإدارة العلاقات مع الدول الأخرى. وهي تعبر عن السلطة التنفيذية بشكل عام، ومقيدة بسلطة الدستور والقانون" .

ولسنا هنا بصدد التأريخ للعلاقة الجدلية بين الدولة والمذاهب الدينية على وجه العموم، ولا بصدد التأريخ للدولة والمذاهب الإسلامية، السياسية والفكرية والفقهية، على وجه الخصوص. فقد صار أمر ذلك مشتهراً ولا يحتاج إلى مزيد بيان. وإنما نحن بصدد تأكيد حقيقة صارت من المسلمات في علم الاجتماع السياسي، وإن لم تصبح مسلمة عند المذهبيين الإسلاميين. حقيقة تقول: بأن علاقة المذاهب الدينية – السياسية خاصة – بالدولة، قد جنت على الدولة وعلى المذهب معاً. وهذا يصدق على الحالة الإسلامية كما يصدق على الحالات الأخرى المشابهة في أوروبا وغيرها . يقول الأستاذ جمال البنا: " وأدت بنا دراسة الحكم منذ أن ظهر من أقدم العصور حتى العهد الحديث إلى المبدأ المحوري الذى حكم سياق وروح الكتاب (يعني كتابه)، ألا وهو أن السلطة - التي هي خصيصة الدولة - تفسد الأيديولوجيا (العقيدة) وأن هذا الإفساد هو في طبيعة السلطة ولا يمكن أبداً أن تتحرر منه. وأن أي نظام يقترن بها، بفكرة إصلاحها، لابد وأن تفسده.. وإن أي نظام يحاول تطويعها لا بد وأن تطوعه، وبدلاً من أن يكون سيدها يصبح تابعها" .

وقد وصلت الأمم الحديثة اليوم إلى قناعة بأن تداخل السياسي بالمذهبي مفسد للدين وللدولة معاً، ومن ثم فهو - بالضرورة - مفسد للاستقرار والنماء الاجتماعيين. واهتدت هذه الأمم إلى حل وجدته - بالتجربة - أفضل الحلول الممكنة لتحقيق هذا الاستقرار وذلك النماء المطلوبين، ألا وهو ما نسميه اليوم بـ "حل الدولة المدنية ". ومفهوم "الدولة المدنية" لا يزال يعاني بعض الضبابية والغموض الناتج عن شحة المصادر الشارحة له في المقام الأول. إلا أن صاحب هذه الدراسة كان قد استقر على رأي في مفهوم الدولة المدنية، يظنه الأقرب إلى مراد من يستعمل هذا المصطلح في السنوات الأخيرة، والأكثر حسماً بين دلالاتها العائمة.

فالدولة المدنية – كما نفهمها – هي نقيض الدولتين العسكرية والثيوقراطية. وهذا التعريف بالسلب يتضمن مفهومها الإيجابي. إذ أن نقيض الدولة العسكرية (البوليسية) هو الدولة الديمقراطية، ونقيض الدولة الثيوقراطية (دولة الحق الإلهي) هو الدولة العلمانية. ومن ثم يمكننا القول إن الدولة المدنية هي الدولة التي تقوم على ركيزتين أساسيتين هما الديمقراطية والعلمانية. الديمقراطية بوصفها حلا لمشكلة الاستبداد، الذي من طبيعته أن يتجلى في حالة عسكرية، والعلمانية بوصفها حلاً لمشكلة تداخل الديني بالدنيوي في شئون الدولة والسياسة.

لكن مهلاً، فنحن نستعمل مصطلحات هذه الدراسة – كما أشرنا من قبل - بدلالات مختلفة لا تتطابق - بالضرورة - مع الدلالات الشائعة في الأوساط المعنية، وإن تقاطعت معها في نقاط كثيرة مشتركة. وفي مقدمة ذلك مصطلح العلمانية، الذي حملناه دلالات خاصة سيرد بيانها في السطور القادمة. ومن ثم فقد لزم تحذير القارئ من أن يعمد إلى تفسير مصطلحات هذه الدراسة وفقاً لما في ذهنه من دلالات وإيحاءات وظلال. لأنه إن فعل ذلك قد يقع في مشكلة إساءة الفهم، وربما إساءة الظن بالبحث وصاحبه، وهو ما لا يحتاجه الطرفان هنا.. فما العلمانية وما دلالتها في هذه الدراسة؟.

يعد لفظ العلمانية من أكثر الألفاظ شيوعاً في الأوساط السياسية والمعرفية العربية المعاصرة، نتيجة لكثرة وروده في السجال الفكري والأيديولوجي بين فرقاء الفكر والسياسة العرب. وقد اكتسبت هذه اللفظة سمعة سيئة في المجتمعات الإسلامية منذ ظهورها، نتيجة للهجمة الواسعة التي شنها عليها الخطاب الديني التقليدي خلال العقود الماضية من القرنين العشرين والحادي والعشرين. كما تم تداولها في هذا السجال بدلالات غامضة ومضطربة في كثير من الأحيان، من قبل مختلف أطراف النزاع حولها. ونظراً لمركزية هذا المصطلح من هذه الدراسة فإن من اللازم علينا بيان حدوده كما نقصدها، وذلك يقتضي التعريج على تاريخ هذا المصطلح في سياقه الغربي الذي أنتجه، بصورة موجزة:

كلمة علمانية هي ترجمة لكلمة "سكيولاريزم" (secularism) المشتقة من اللفظة اللاتينية سَيكولوم (saeculum) والتي تعني العالم أو العصر أو الجيل. وقد سجل المؤرخون أول ظهور لكلمة "سكيولار" (secular) عند توقيع صلح وستفاليا العام 1648م نهاية حرب الثلاثين. وجاءت حينها بدلالة جديدة تعني "نقل أملاك الكنيسة إلى سلطات سياسية غير دينية". ثم استعملت في القرن الثامن عشر من قبل جماعة الفلاسفة الموسوعيين بمعنى المصادرة الشرعية لممتلكات الكنيسة، في مقابل معناها عند رجال الكنيسة الذي منحها دلالة المصادرة غير الشرعية لهذه الممتلكات .

 وكان أول من استعمل كلمة سكيولاريزم (secularism) بدلالتها المعاصرة هو الفيلسوف جون هوليوك في القرن التاسع عشر. ومنحها تعريفا يقول: العلمانية هي " محاولة إصلاح حال الإنسان، بالطرق المادية، دون التعرض لمسألة الإيمان بالنفي أو بالإثبات " . لكن معاني هذه اللفظة لم تستقر عند حدود المفهوم الذي وضعه هوليوك، بل أخذت تترحل في السياقات بمعان ودلالات جديدة طوال القرن العشرين، كان أشهرها "فصل الدين عن الدولة" . ونتيجة لكثرة دلالات هذه الكلمة واختلاطها في استعمال الكتاب والمثقفين الغربيين، اقترح بعضهم إسقاطها من الاستعمال كلية، والاستعاضة عنها ببدائل أخرى أكثر وصفية وحياداً . وهو ما حرض المفكر العربي الدكتور عبد الوهاب المسيري لإنجاز دراسة موسعة عن العلمانية ومشكلاتها، اقترح فيها تصوراً جديداً لمفهوم العلمانية، يأخذ بالاعتبار تاريخ هذه اللفظة منذ نشأتها وحتى نهاية القرن العشرين تقريباً.

وخلاصة هذا التصور أن العلمانية ليست شيئاً ثابتاً مستقراً ناجزاً، وإنما هي متتالية نماذجية تأخذ في كل مرحلة من مراحل سيرورتها معنى إضافياً أو مختلفاً بحسب سياق الاستعمال. مع الاحتفاظ بقدر مشترك ثابت من المعنى. هذه المتتالية يمكن النظر إليها باعتبارها خطاً عمودياً، له حد أدنى، تمثله العلمانية التي تنادي بفصل الدين عن الدولة، ويطلق عليها المسيري وصف "العلمانية الجزئية". وحداً أعلى تمثله العلمانية التي تنادي بفصل الدين عن الحياة، ويطلق عليها وصف "العلمانية الشاملة". كما يمكن النظر إليهما باعتبارهما دائرتين متداخلتين إحداهما كبرى هي العلمانية الشاملة، والأخرى صغرى هي العلمانية الجزئية.

وكان الدكتور المسيري قد رشح العلمانية الجزئية للمجتمعات الإسلامية لحل مشكلة الصراع الديني على السلطة . دون أن يمهد لهذا الترشيح بالمقدمات التفسيرية الكافية. بل أنه لم يضع حدوداً واضحة لمفهوم فصل الدين عن الدولة في صيغة العلمانية الجزئية. ولأن هذا التعريف الفضفاض يسمح باستبعاد الدين (الوحي)، مع ما تشكل حوله من فكر ديني مذهبي، من مرجعية الدولة، فإننا نتحفظ عليه لأسباب ديمقراطية قبل الأسباب الدينية. وهو الأمر الذي دفع صاحب هذه الدراسة للتفكير في صيغة جديدة للعلمانية، تصلح للمجتمعات الإسلامية، أطلق عليها اسم "العلمانية الثالثة". وعبارة " تصلح للمجتمعات الإسلامية " تعني – فيما تعني – الصيغة التي ارتضاها الإسلام نفسه للعلمانية. فهل هذه الصيغة ممكنة الوجود والتحقق؟.

العلمانية الثالثة: مفاهيم وحدود.

إن التفكير في صيغة جديدة لمفهوم العلمانية لا يعد ترفاً فكرياً كما قد يتصور البعض. فقد سبق القول إن العلمانية – باستثناء الشاملة – هي عنصر أساس في مركب الدولة المدنية، وأن الدولة المدنية هي الخيار الذي لا مناص منه لحل مشكلة المجتمعات غير المستقرة بسبب الاستبداد السياسي أو بسبب الصراع على السلطة. كما نبهنا إلى أن العلمانية ليست صيغة واحدة في كل زمان ومكان، ولا هي خصوصية من خصوصيات مجتمع بعينه، وإنما هي حالة مرنة تقبل التشكيل بحسب الشروط الثقافية والضرورات الدينية لكل مجتمع. بشرط أن لا يأتي هذا التشكيل على حساب جوهرها الأصيل. وجوهر العلمانية الأصيل هنا هو فصلها بين ما ينتمي إلى عالم الدنيا وما ينتمي إلى عالم الدين.

ولكي تكون هذه الصيغة الجديدة عملية ومقبولة لدى المجتمعات الإسلامية لا بد أن تلبي بعض الشروط التوافقية، وفي مقدمتها أن لا تأتي هذه الصيغة على حساب جوهر الدين أيضاً. وكلمة "جوهر" التي نستعملها هنا تتضمن اعترافاً بوجود "أعراض" قد تحسب على الدين أو على العلمانية، وهي في الحقيقة لا من هذا ولا من ذاك، وإنما هي من عوارض التاريخ وملابساته. وكل ما تطمح إليه أطروحة "العلمانية الثالثة" هو الكشف – في المقام الأول – عن الحد الحقيقي الفاصل بين ما ينتمي إلى دائرة الدين وما ينتمي إلى دائرة الدنيا، وذلك على المستوى النظري. والدعوة إلى تنحية ما يثبت أنها أعراض تاريخية طارئة على مفهومي الإسلام والعلمانية جانباً، على المستوى التطبيقي.

لكن، ما المعيار الموضوعي للتمييز بين جوهر العلمانية وأعراضها، وبين جوهر الدين وأعراضه يا ترى؟.
ليس أمامنا سوى معيارين اثنين هما معيار "النص"، ومعيار "حد الاتفاق". ونقصد بالنص العبارة التي لا يختلف على دلالتها أصحاب اللسان. وحين يتعلق الأمر بالدين فإن المقصود بالنص العبارة الدينية المتفق على حجيتها وثبوتها ودلالتها، بأي صورة لفظية من صور الدلالة المعروفة عند فقهاء اللغة. وقد أجملها الأصوليون في أربع صور هي: عبارة النص، وإشارة النص، ودلالة النص، ومقتضى النص .

أما معيار "حد الاتفاق" فالمقصود به تلك النسبة المتفق عليها بين أهل الشأن في حد الظاهرة. وعند تنزيل هذا التعريف على موضوعنا الراهن يصبح المقصود بحد الاتفاق هو تلك النسبة المتفق عليها بين جماعة العلمانيين في تعريف العلمانية، والنسبة المتفق عليها بين جماعة المسلمين في تعريف الإسلام. فهل هذا ممكن في مجال الظاهرتين: العلمانية والإسلام؟.

بتطبيق المعيار الأول (النص) على مفهوم العلمانية يتبين أن لا وجود لنص مجمع عليه بين العلمانيين على تعريف العلمانية كما أسلفنا من قبل. ومن ثم فقد أصبح من حق كل مستعمل لهذا اللفظ أن يحده بالحدود التي تناسبه. غير أن معيار حد الاتفاق يضبط المسألة، إذا ما علمنا أن جماعة العلمانيين لم يتفقوا في حد المفهوم سوى على ذلك المستوى العام الذي يشير إلى "عالم الدنيا"، دون عالمي الدين والآخرة. والعلمانية بهذا الحد تعني كل ما ينتمي إلى عالم الدنيا فقط. وهو الحد الذي تشير إليه دلالة اللفظة في أصل وضعها العربي أيضاً. ويظل سقف العلمانية هنا مفتوحاً إلى الحد الذي يسمح به المجتمع، أو لنقل إلى الحد الذي يسمح به الإسلام في المجتمعات العربية، كما ترى أطروحة العلمانية الثالثة. فما سقف العلمانية في الإسلام يا ترى؟. قبل الإجابة على السؤال لا بد من معرفة حدود الإسلام نفسه من حدود الفكر الإسلامي، وفقاُ لمعياري النص وحد الاتفاق.

يمكننا القول باطمئنان أن لا وجود لنص يميز - تمييزاً قاطعاً وصريحاً - بين مفهومي الإسلام والفكر الإسلامي، إلا أن بعض آيات القرآن الكريم تستبعد من دائرة الدين - بمقتضى عبارتها - بعض العناصر المشتبه بانتمائها إلى الدين، وذلك مثل قوله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم، وأتممت عليكم نعمتي، ورضيت لكم الإسلام دينا. (المائدة 3). فهذه الآية تستبعد - يقيناً - من دائرة الإسلام / الدين كل ما ظهر بعد ذلك من مذاهب وآراء حول النص الديني. لكننا لا نستطيع – إلى حد الآن – القول بأن الآية قد دلت - بمقتضى عبارتها - على أن القرآن الكريم هو النص الوحيد الذي يمثل الإسلام الدين. فما زال لدينا نص وسيط بين القرآن وبين المذاهب الإسلامية، لا نريد الجزم بانتمائه إلى هذه الدائرة أو تلك، إلا على سبيل المذهب والرأي، توخياً للموضوعية العلمية، ألا وهو ذلك النص المنسوب إلى النبي (ص) والمسمى بالحديث النبوي . وهنا يتدخل معيار "حد الاتفاق" لحسم المسألة. فمن المعلوم أن جماعة المسلمين لم تتفق على كون الحديث المنسوب إلى النبي (ص) يعد جزءاً من الدين، لا على مستوى الإجمال ولا على مستوى التفصيل.

وإذا ما اعتبرنا طائفة "القرآنين" - التي تنفي أن يكون كلام الأنبياء خارج الرسالة السماوية من الدين - من الطوائف الإسلامية المعتبرة، ففي ذلك برهان كافٍ على خرق مقولة أن المسلمين قد أجمعوا على اعتبار كلام النبي من الدين الموحى به. وخرق هذا الإجماع ينزل بسقف المتفق عليه بين المسلمين إلى مستوى القرآن الكريم، وحده لا شريك له، وما دل عليه من سنن عملية مفروضة ومتواترة. أما في حال أصر البعض على اعتبار هذه الطائفة من خارج السور الإسلامي، وهو ما لن يحدث، أو لنقل ما لن يحدث بالإجماع ، فإن في مواقف الطوائف الإسلامية الأخرى المعتبرة تاريخياً، الحجة الكافية على حقيقة أن المسلمين لم يتفقوا على اعتبار الحديث المنسوب إلى النبي (ص) جزءاً من الدين / الإسلام. لا لأنهم نفوا حجيته الدينية صراحة، وإنما لأن مواقفهم التفصيلية منه لا تختلف في النتيجة عن نفي حجيته الدينية. وهذا موجز تاريخي لمواقف المذاهب الإسلامية وبعض فقهاء المسلمين في القديم والحديث من هذه المسألة:

اتفقت جميع المذاهب الإسلامية على أن الحديث المنسوب إلى النبي (ص) لم يرد بطرق متواترة كما ورد القرآن الكريم والسنن العملية المفروضة، باستثناء روايات معدودة حولها خلاف بين المختصين . ثم اختلفوا بعد ذلك في حكم الروايات التي وردت عن طريق آحاد الرواة، أو التي لم تبلغ حد التواتر، هل تفيد العلم (اليقين) أم تفيد الظن؟ . فكان رأي أغلبية المذاهب الإسلامية على أن روايات الآحاد لا تفيد العلم وإنما تفيد الظن. ثم اختلف هؤلاء مجدداً حول ما يترتب على القول بظنية هذه الأحاديث من حيث ثبوتها. فكان رأي المعتزلة عدم جواز العمل بها، لا في الأصول ولا في الفروع. لأن القرآن الكريم نهى عن اتباع الظن في الدين. بينما كان رأي الظاهرية والحنابلة وجوب الأخذ بهذه الروايات في إثبات العقائد والأحكام على السواء، وهو عكس موقف المعتزلة ومن وافقهم من الشيعة والخوارج. وتوسط الأشاعرة بين الفريقين فقالوا: لا يجوز الأخذ بروايات الآحاد الظنية في مجال الأصول، لأن القرآن نهى عن اتباع الظن في هذه المواطن، لكن يجب الأخذ بها في مجال الأحكام الفرعية قياساً على الشهادات التي تقام عليها بعض الأحكام الفرعية، مثل شهادة إثبات الزنا وشهادة إثبات النسب، وما شابه ذلك .

ذلك على مستوى المذاهب الجمعية، أما على مستوى أفراد الفقهاء داخل هذه المذاهب، فقد كان لبعضهم مواقف تفصيلية تطيح بهذا القدر أو ذاك من مجالات الحديث المنسوب إلى النبي، لا من باب عدم الثبوت أو الصحة، وإنما من باب عدم حجيتها الدينية. فابن خلدون – مثلاً - استبعد في مقدمته أن تكون أحاديث "الطب النبوي" من دائرة الوحي، واعتبرها جزءاً من ثقافة عصر النبي (ص)، قال: "والطب المنقول في الشرعيات من هذا القبيل, وليس من الوحي في شيء, وإنما هو أمر كان عادياً للعرب وقع في ذكر أحوال النبي عليه الصلاة والسلام, من نوع ذكر أحواله التي هي عادة وجبلة, لا من جهة أن ذلك مشروع على ذلك النحو من العمل, فإنه عليه الصلاة والسلام إنما بعث ليعلمنا الشرائع, ولم يبعث لتعريف الطب ولا غيره من العادات . ويعتقد الشيخ محمد الغزالي أن ما يسمى بأحاديث الفتن والملاحم وعلامات الساعة ليست من وحي السماء وإنما هي توقعات النبي الاجتهادية إن صحت نسبتها إليه . والمفكر الإسلامي عبد الحميد أبو سليمان يقول: إن حديث النبي (ص) برمته ليس من "البلاغ" الذي كلف به الرسول صلى الله عليه وسلم, لعدم توفر سمة البلاغ فيه, ومن ثم فهو من اجتهاد النبي الصادر عنه بحكم بشريته . أما المرجع الشيعي المعاصر محمد حسن الأمين فيرى أن الحديث النبوي جزء من التاريخ لا جزءاً من الوحي والرسالة  .

وبغض الطرف عن الموقف النقدي التفصيلي لهذه المواقف الجمعية أو الفردية من الحديث المنسوب للنبي محمد (ص)، إلا أن دلالتها الأكيدة تقول: إن جماعة المسلمين لم تتفق على اعتبار ما بين أيديها من أحاديث منسوبة إلى النبي وصحابته من دائرة الإسلام / الدين. وهذا وحده كاف في اعتبار المسألة جزءاً من مسائل الفكر الإسلامي، التي تخرج بموضوعها من دائرة الدين المقدس إلى دائرة المذهب والاجتهاد. وهذا هو مضمون العبارة التي نقلها الشيخ محمد الغزالي عن شيخه محمد البهي، والتي سترد معنا بعد قليل.
إذن فقد تبين أن المسلمين لم يتفقوا على شيء من معنى الدين سوى القرآن الكريم مجملاً لا مفصلا، وما دل عليه من سنن عملية تسمى الفروض الدينية. كما ثبت أن جماعة العلمانيين لم يتفقوا على شيء من معنى العلمانية سوى ذلك الحد الذي يشير إلى ما ينتمي إلى العالم الدنيوي، دون ما ينتمي إلى الدين أو العالم الآخر. وبناء على ذلك يمكننا القول إن حقيقة العلاقة بين الإسلام والعلمانية لم تتحدد بعد. وأن السجال الذي حدث طوال العقود الماضية لم يكن بين الإسلام الخالص والعلمانية المحضة. بل كان سجالاً بين الفكر الإسلامي وبين مذاهب علمانية معادية للدين في أغلب الأحيان. ومن الصحيح – أيضاً – القول بأنه كان سجالاً بين سوء الفهم هنا وسوء الظن هناك. وهو ما يمنحنا المبرر لإعادة النظر في حقيقة العلاقة بين مفهومي العلمانية والإسلام.

والفصل بين مفهومي الدين والفكر الديني ليس شيئاً نستنبطه وحدنا. بل هو رأي المؤسسة الدينية نفسها، يعلنه بعض رجالها الممتازين، من أمثال الفقيه المعاصر الشيخ محمد الغزالي الذي ينقل عن شيخه محمد البهي جملة ذهبية في هذا الشأن، تقول: "إن الفكر الإسلامي ليس هو الإسلام، بل هو صنعة المسلمين العقلية في سبيل الإسلام، وبمشورة مبادئه، والإسلام هو الوحي الإلهي إلى رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وكتاب هذه الرسالة هو القرآن الكريم، وفي حكمه ما انظم إليه من سنن ثابتة للرسول توضح ما طلب توضيحه" . وهذا التعريف يُخرج من دائرة الدين كل ما نسب إلى النبي (ص) من الروايات الحديثية، كما يخرج منها – من باب الأولى – كل منتجات الفقهاء في الماضي والحاضر والمستقبل.

وحين نقول إن هذا الجهد الفقهي أو ذاك، ينتمي إلى دائرة الدنيا لا إلى دائرة الدين، فإنما نعني أنه جهد علماني - بحكم طبيعته لا بحكم مقاصده - وفق تعريفنا للعلمانية الذي ارتضيناه في السطور السابقة. وهذا القول ليس رأياً خاصاً بالباحث، بل هو رأي المؤسسة الدينية نفسها، ينطق به - نيابة عنها - واحدٌ من أهم فقهاء الإسلام في تاريخه، هو أبو حامد الغزالي، إذ يروي عنه الفقيه المالكي محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي في موسوعته " الفكر السامي " عبارة تقول: " فإن قلت لم ألحقت الفقه بعلم الدنيا وألحقت الفقهاء بعلماء الدنيا فاعلم ]أنه..[ مست الحاجة إلى سلطان يسوسهم به ]أي الناس[ والفقيه هو العالم بقانون السياسة وطريق التوسط بين الخلق إذا تنازعوا بحكم الشهوات " .

 فالإمام الغزالي ينظر إلى الفقه باعتباره قانوناً مدنياً للمجتمع السياسي. وينظر إلى الفقهاء باعتبارهم رجال قانون مدني لا علماء دين بالمعنى الثيوقراطي.  وبناء على ما مضى يتضح أن الفكر الديني - متضمناً الأحاديث المنسوبة إلى النبي (ص) وكل منتجات الفقهاء في القديم والحديث والمستقبل – يعد من الأعراض التاريخية للظاهرة الدينية، لا من الدين نفسه.

ولاشك أن هذا الرأي لن يمر على القارئ دون أن يثير بعض الأسئلة، وربما بعض التحفظات. وهذه الدراسة حريصة على الوصول مع القارئ إلى كلمة سواء. وتعتقد أن السبيل الأقصر إلى هذا الهدف هو المزيد من الصدق والوضوح. ولهذا فإنها ستعمل على طرح أهم الأسئلة التي من المتوقع أن توجه لأطروحة العلمانية الثالثة بهدف مناقشتها نقاشاً علمياً هادئاً.

العلمانية الثالثة: أسئلة وردود:

هناك علامات استفهام - وربما استنكار - عديدة لا بد أن تثيرها أطروحة العلمانية الثالثة عند طرفي النزاع التقليديين: العلمانيون الراديكاليون والإسلاميون. بعض هذه الأسئلة، أو الاعتراضات، يتعلق بمفهومي الدين والفكر الديني، وعلاقة الدين بالدولة في الإسلام. وبعضها الثاني يتعلق بمفهوم العلمانية وطبيعته. وبعضها الأخير يتعلق بالجدوى المتوقعة من تطبيق هذه الصيغة الجديدة من العلمانية على الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في بلادنا، وإمكانية هذا التطبيق. وبالمخاوف التي تتركها هذه الصيغة الجديدة عند الطرفين. والسطور القادمة هي محل نقاش هذه الأسئلة المتوقعة.

1: أسئلة العلمانية:

من أسئلة العلمانيين الراديكاليين المتوقعة أن يقال: ما الذي قدمته هذه الصيغة النظرية سوى أنها استبعدت نصف المشكلة، ممثلة في المذهب، وأبقت على النصف الآخر، ممثلاً في الدين؟!. ما جدوى ذلك إذا كان الدين نفسه يتبنى بعض الآراء التي تثير القلق حول بعض القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان المدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، مثل حرية الفكر والاعتقاد وحق التعبير وحقوق النساء والأقليات، وما شابه ذلك؟. ثم أليس إبقاء الدين مرجعاً للدولة سيكون ذريعةً لتدخل رجال الدين في شئون الدولة باسم الدين أيضاً؟!.

وفي الجواب على التساؤلات السابقة نقول:
 ليس واضحاً ولا دقيقاً قولكم إن الإسلام / الدين يمثل نصف مشكلة الدولة والاستقرار والتنمية. وحجتنا في هذا الحكم أمران: الأول أنكم لم تقدموا حتى هذه اللحظة أطروحة علمية علمانية تستطيع أن تميز بوضوح بين مفهوم الإسلام / الدين ومفهوم الإسلام / الفكر. وما زال كثير منكم يخلط بين الدائرتين كما يفعل المسلم التقليدي المتعصب. وأكثر المشكلات التي يثيرها الخطاب العلماني حول الدين مصدرها الفكر الديني لا الدين نفسه. والآخر أن كثيراً مما نسمعه في الخطاب العلماني لا يعدو أن يكون مبالغات خطابية لا تختلف عن مثيلاتها في الخطاب الإسلامي المتشدد. بعبارة أخرى فإن معظم تخوفات التيار العلماني الراديكالي تقوم على أسس انطباعية لا على أسس علمية مدروسة. ومن نتائج الخلط بين دائرتي الدين والفكر الديني عند بعض العلمانيين تصورهم أن مشكلات من مثل: عقوبة المرتد وعقوبة الزاني المحصن وعقوبة شارب الخمر، وما شابه ذلك من العقوبات والأحكام التي تثير قلقهم حول حقوق الإنسان في الإسلام، يتحمل مسؤوليتها الإسلام / الدين. بينما هي في الحقيقة من الأحكام التي بنيت على مصادر الفكر الديني لا على مصادر الدين نفسه. إذ لم يرد أي من هذه الأحكام في القرآن الكريم. وهذا التصور الخاطئ يعد تماهياً علمانياً مع المنظور التقليدي المسطح للإسلاميين.

أما قولكم إن الإسلام / الدين نفسه يحوي كثيراً من النصوص الإشكالية في هذا الصدد فهو كلام على قدر كبير من الصحة. لكن سؤالاً منهجياً يتربص بنا وبكم حول هذه المسألة يقول: هل نتجت هذه المشكلات عن فهم دقيق لنصوص الآيات التي ظاهرها الإشكال، أم نتجت عن فهم قاصر لحقيقتها اللغوية والأصولية والفلسفية؟. إن الباحث على يقين من أن أكثر النصوص القرآنية التي تثير قلق التيار المدني عامة والعلماني على وجه الخصوص قد فهمت فهما قاصراً. وأنها – في أسوأ الأحوال – نصوص تحتمل أكثر من دلالة ومعنى. وسأضرب مثلاً واحداً نموذجياً على ذلك، هو عقوبة حد السرقة في القرآن الكريم. الوارد في قوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ. (المائدة 38).

إن آية المائدة السابقة صريحة في طلب عقوبة القطع ليد السارق والسارقة، ولا مجال لتأول كلمة قطع بمعنى "الإغناء والإشباع" كما ذهب إليه البعض، أولاً: لأن الآية اعتبرت القطع نوعاً من التنكيل، وهذا عكس ما يحققه الإشباع والإغناء. وثانياً: لأن الإغناء إما أن يكون قبل الوقوع في السرقة، وهذا لا معنى له، وإما أن يكون بعد الوقوع فيها، وفي هذه الحالة سيعد بمثابة مكافأة للمجرم على فعلته!. لكن هل معنى ذلك أن الآية لا تحتمل تأويلاً آخر من أي نوع، وفق القواعد والشروط المعتبرة؟.

الجواب:
إن الآية تحتمل – يقيناً – أكثر من تأويل، وفي ذلك أكثر من مدخل.
المدخل الأول من تأويل كلمة "اقطعوا" التي ترد في القرآن نفسه بمعنى الجرح لا البتر، قال تعالى في سياق الحديث عن نسوة يوسف: فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَـذَا بَشَراً إِنْ هَـذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ. (يوسف31). فالإجماع يكاد ينعقد بين المتأولين على أن القطع هنا بمعنى "الجرح" لا بمعنى البتر. وهذا مسوغ قوي لاعتبار القطع في آية المائدة – أيضاً - بمعنى الجرح لا البتر. والجرح عقوبة معقولة في الحس المدني عندما تفهم في نسقها الشرطي. وكل العقوبات في الإسلام جاءت ضمن نسق كلي شامل، يشترط الإشباع والإغناء ثم ينظر بعد ذلك في العقوبة، وذلك معنى "درء الحدود بالشبهات" الذي استنبطه النبي (ص) من فلسفة العقوبة في القرآن الكريم .

 والمدخل الثاني من تأويل عبارة "السارق والسارقة" التي وردت بصيغة الجملة الإسمية لا بصيغة الجملة الفعلية. إذ من المعلوم في فقه العربية أن الجملة الإسمية تفيد الثبوت والجملة الفعلية تفيد الحدوث ، والمعنى أن السارق والسارقة هنا هما من ثبتت لهما صفة السرقة بسبب تكرارهما لفعل السرقة، لا بمجرد وقوعهما في هذا الفعل لمرة واحدة. ومثل ذلك يقال – أيضاً - عن الزانية والزاني في قوله تعالى: الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر. (النور2).

والمدخل الثالث في تأويل هذه الآية هو مدخل الفلسفة الأصولية. ويقرب مفهومها سؤال يقول: هل الأحكام القرآنية بعللها أم بمقاصدها؟. فإن كانت الأحكام بعللها فهذا يعني أن القطع عقوبة ثابتة للسرقة لا تتغير ولا تتبدل. أما إذا كانت الأحكام بمقاصدها فإن بالإمكان تغيير عقوبة السرقة إلى أي صورة أخرى تضمن المقصد وهو الردع، كالحبس أو الغرامة أو الأشغال الشاقة، أو أي عمل منتج يعوض فيه السارق المسروق تعويضاً إيجابياً، بحسب نظرية التعادلية عند توفيق الحكيم . ويمكن لأصحاب نظرية المقاصد - عندئذ - أن يبرروا وجود عقوبة القطع في القرآن الكريم بغياب الصور الأخرى الممكنة للردع في زمن تنزل الآية، كانعدام السجون، وغياب الدولة، في العصر النبوي.

وليس يعنينا هنا الانتصار لرأي على آخر، ولا بيان مشكلات هذه التخريجة أو تلك، وإنما يعنينا تأكيد حقيقة أن النص الذي كان يثير قلق العلمانيين ليس نصاً قطعي الدلالة عند التفصيل، وإنما هو نص مجمل يحتمل أكثر من تأويل، مما يعني أنه - وإن كان نصاً ديناً على مستوى الإجمال إلا أنه - لا بد أن يتحول عند التأويل إلى حالة مذهبية لا تلزم غير صاحبها. والمقنن مخير بعد ذلك في اختيار ما يشاء من التأويلات، لجعلها قانوناً مدنياً محضاً كما سيرد معنا في تفصيل لاحق. وهذا مجرد مثال نموذجي على ما قد يعتبره العلمانيون أحكاماً مثيرة للقلق في القرآن الكريم.

أما قولهم إن بقاء الدين / الوحي مرجعاً للدولة سيعد ذريعة لتدخل رجال الدين في شئون هذه الأخيرة فهو تخوف مبرر ووجيه أيضاً. غير أن حل هذا المشكل يكمن في العلمانية الثالثة نفسها. لأنها من ناحية قد فصلت تماماً بين دائرتي الدين والفكر الديني، ومن ناحية ثانية قد جعلت وظيفة رجل الدين من الوظائف المدنية لا من الوظائف الدينية، كما دللنا على ذلك بعبارة الإمام الغزالي التي أوردها الحجوي.
ومعنى أن وظيفة رجل الدين مدنية لا دينية هو أنها وظيفة علمانية مثلها مثل وظيفة رجل الفيزياء ورجل التاريخ ورجل الفضاء. ولا يجوز لأي صاحب تخصص من هذه التخصصات المدنية أن يزعم لنفسه مكانة فوق الناس، يحصل بموجبها على امتيازات من أي نوع، ومن يفعل ذلك فإنما يقول - بلسان حاله - أنه معين من قبل الله، وأنه يزاحم الأنبياء والرسل في اختصاصهم.

ومما يترتب على قولنا إن وظيفة الفقه مدنية، وأن الفقهاء رجال دنيا بالمعنى المعرفي لا رجال دين - كما يصفهم الإمام الغزالي - أن يعاد النظر في وظيفة المفتي التقليدي من جذورها. إذ لا مبرر لوجودها من عقل أو من دين. وبلغة هذه الدراسة: لا يوجد نص من الدين قطعي الدلالة على وجوب وظيفة المفتي التي نعرفها. ولك أن تطلع على أهم موسوعة تراثية تختص بوظيفة الفتوى والمفتي، هي موسوعة "أعلام الموقعين عن رب العالمين" لابن القيم، لتجد أنها خلت من آية واحدة للاحتجاج على وظيفة المفتي. وإعادة النظر في وظيفة المفتي والفتوى الدينيين تعني إزالة الوسائط المفتعلة بين المسلم وبين كتابه المقدس (القرآن الكريم). بحيث لا يكلف المسلم بغير ما يسعه فهمه من النص، ولا يعود إلى عالم النص الديني إلا من باب الزيادة في المعرفة لا من باب الزيادة في التكليف. وبهذا الفهم لدور عالم الدين المسلم لا يصبح من اختصاصه حراسة الدين بالمعنى الكنسي الذي يحمله رجال المؤسسة الدينية.

قد يحتج بعضهم بقول الله تعالى: فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ. (النحل 43). أو بقوله تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ. (التوبة 122). وليس في أي من الآيتين ما يدل على وظيفة المفتي التقليدية. وقبل البدء في مناقشة هاتين الآيتين لا بد من التذكير مجدداً بأن ما يهم هذه الدراسة هو التدليل على أن بعض الشواهد القرآنية التي يستدل بها على حجية هذا الفعل أو ذاك قد تكون غير قاطعة الدلالة على ما ذهبوا إليه. فإذا ثبت ذلك أخرجنا الخلاف من منطقة الدين إلى منطقة المذهب، وأصبح من حق كل مسلم أن يدلي بدلوه فيه. والأهم من ذلك، أن يصبح محرماً - بحكم الدين والقانون - تحويل الرأي المذهبي إلى عقيدة دينية يمتحن الناس بها، وتذهب ريحهم واستقرارهم.

قلنا إن آيتي النحل والتوبة السالفتان لا تدلان على وظيفة المفتي التقليدية، وفي أضعف الأحوال فإنهما لا تدلان على ذلك دلالة قطعية، وهو ما سيثبته التحليل الآتي: أما آية النحل فقد وردت في سياق الحديث عن إرسال الرسل من قبل النبي محمد، وعن مجاهداتهم مع أقوامهم، وفيها طلب - على سبيل التخيير لا الوجوب – لمن أراد زيادة في البيان حول هذه المسألة بأن يسأل أهل الذكر، أي أهل الكتب السابقة عن ذلك، لأنهم أدرى الناس به. قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ، بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ. (النحل 43-44).

 وأما آية التوبة السابقة فهي تتحدث مع الجيل الإسلامي الأول الذي كادت حروب الدفاع أن تشغل بعض أفراده عن واجب الدعوة إلى الإسلام في أقوامهم. وليس في الآية تأسيس لوظيفة المفتي التقليدية، ولا عرف ذلك في زمن النبي وصحابته.

من الواضح أن وظيفة المفتي الديني في المجتمعات الإسلامية لا تجد مستنداً دينياً قطعي الدلالة. وأنها وظيفة طارئة على الإسلام وأهله. وغياب هذه الوظيفة عن النصوص الدينية ينسجم تماماً مع طبيعة القرآن الكريم وطبيعة وظيفته. فالقرآن الكريم يصنف نفسه إلى نوعين من النصوص، نص محكم الدلالة يفهمه المكلف أيا كان مستواه المعرفي. ونص متشابه الدلالة لا يعلمه إلا الراسخون في العلم (في أحد التأويلات) قال تعالى: هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ. (آل عمران7). وقد جاءت العقائد الضرورية وبعض الأحكام القانونية ضمن النص المحكم، مما يعني أنها تمثل المستوى الذي ينبغي أن يتفق عليه الجميع، وأنها تمثل المستوى الذي سيحاسب عليه المكلف في الآخرة. لأن المكلف لا يحاسب إلا على وسعه في الفهم والعمل. وأما ما تجاوز مستوى المحكم فهو من المتشابه الذي لا يؤاخذ في فهمه المكلف البسيط ولا يلزم به، وإنما يلزم العالم الذي أوتي من المقدرة العلمية ما يمكنه من الكشف عن أسراره.

وبناء على ذلك نخلص إلى نتيجة منطقية في أمر المفتي والفتوى تقول: بما أن وظيفة المفتي لم ترد بنص قطعي من الدين، وبما أن الإنسان لا يكلف فوق وسعه الذهني والمعرفي، فلا حاجة للمسلمين بوظيفة المفتي. لأن الناس إما عالم وإما جاهل. فإن كان جاهلاً فهو غير مكلف بما وصل إليه فهم العالم من آراء وأحكام. وإن كان عالماً فهو في غنى عن المفتي، وسيحاسب على فهمه وحده. والاجتهاد في فهم النص المتشابه مطلوب من المسلمين جميعاً لا على سبيل الوجوب بل على سبيل الاستحباب، وبحسب الوسع العقلي والطاقة. ولعل هذا هو مراد فقيه الظاهرية محمد بن حزم الذي منع التقليد. فالتقليد عنده "حرام على العبد المجلوب من بلده، والعامي، والعذراء المخدرة، والراعي في شغف الجبال، كما هو حرام على العالم المتبحر و لا فرق" .

لكن، هل يعني هذا أن الدين / الإسلام لا يحتاج إلى دارسين متخصصين، وإلى مرجعيات علمية تجيب السائلين والباحثين في الشئون الدينية؟. الجواب بالنفي. فما دام الدين – في أحد وجوهه – يعد حالة معرفية، فإنه ولا شك بحاجة إلى تنظيم هذه المعرفة وتقنينها. وحين نتحدث عن التنظيم والتقنين المعرفيين فإنما نتحدث عن العلم، إذ أن العلم هو المعرفة المقننة، كما يقول المختصون. ومن ثم فإن من المنطقي والبدهي أن يوجد متخصصون في الشئون الدينية. إلا أن وظيفة هؤلاء - كما قلنا - وظيفة مدنية لا دينية، لا يجوز أن تتميز بشكل أو طقس يوحي بالقداسة. وحين نقول إن فلاناً من علماء الدين فإنما نقصد أنه مثقف مدني لديه معرفة واسعة بالنص القرآني، وبالنظريات المستنبطة منه، وبأدوات ومناهج الاستنباط المناسبة، مثل معرفة عالم التاريخ بمجال اختصاصه. ومن ثم فإن هذه الوظيفة – وفق منظورنا - ستختلف اختلافاً بنيوياً عن حالتها الراهنة. وستستجد فيها مجالات للدراسة لم تكن مألوفة عند المؤسسة الدينية التقليدية. وهو ما يعني أننا أمام حالة ثورية في مجال الشئون الدينية بكل ما في العبارة من معنى.

والآن، هل بقي من حجة للعلماني الراديكالي في رفض الدين مرجعاً للدولة، إذا أرادت ذلك الأغلبية الاجتماعية صاحبة الدولة؟!. ربما بقيت نصوص تثير مخاوف هذا الطرف بصورة أو بأخرى، وتتسم بكونها قطعية الدلالة في القرآن الكريم، لكننا نسأل: كم تمثل هذه النصوص من نسبة  يا ترى؟. نكاد نجزم بأنها نصوص محدودة للغاية، وتكاد نسبتها تساوي نسبة القوانين التي تثير قلق العلمانيين أنفسهم في الدساتير والقوانين الوضعية نفسها، في أكثر الدول ديمقراطية في العالم . وحديثنا هنا مع العلماني الذي يؤمن بصيغة العلمانية الجزئية، أما ذلك الذي يتبنى العلمانية الشاملة فيكفيه من الدين / الإسلام أنه يضمن حقوقه المدنية والسياسية، وعليه أن يتحمل بعد ذلك تبعات انتمائه إلى أقلية ملحدة في مجتمع مؤمن، وهي تبعات معقولة، تتحمل مثلها الأقليات المؤمنة في المجتمعات الملحدة. والأمر قبل ذلك وبعده مرهون بارتفاع نسبة الوعي المدني في الأوساط الاجتماعية، وهو ما ينبغي التركيز عليه من قبل الحريصين على الحقوق المدنية والسياسية في مجتمع ما.

ذلك فيما يخص أبرز التساؤلات أو الاعتراضات التي من المتوقع أن تصدر عن الجانب العلماني. أما تلك التي من المتوقع عن تصدر عن جانب المتدين الإسلامي التقليدي فهي موضوع السطور القادمة.

2: أسئلة الإسلاميين:

من المتوقع أن يطرح الإسلامي الأسئلة الآتية: ما قيمة هذه الأطروحة، وما قيمة التمييز بين الإسلام والفكر الإسلامي، إذا كان الإسلام / الدين يعتبر نفسه أطروحة شاملة تهيمن على مختلف نشاطات الإنسان المسلم في الحياة؟. وبرهان ذلك قول الله تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. (الأنعام162). وقوله تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ. (النحل89)؟. وما الذي يتبقى من الدين بعد استبعاد المذاهب؟. ثم أليست الدولة في الإسلام من خطط الدين وغاياته؟ وأليس منصب الرئاسة من المناصب الدينية؟ ألم يكن النبي محمداً (ص) نبياً وزعيماً على المجتمع النبوي في عصره؟. وأخيراً: لماذا تحرصون على استبعاد المذاهب الدينية من مرجعية الدولة ولا تحرصون على استبعاد الأيديولوجيات الوضعية، التي أثبتت التجارب أنها أشد تطرفاً وأعظم ضرراً بالإنسان إذا حكمت، وما الاشتراكية عنكم ببعيد؟!.

وجواباً على السؤال الأول نقول: سنسلم لكم بذلك إذا صح فهمكم للآيات التي استشهدتم بها. أما إذا لم يصح هذا الفهم، أو لنقل إذا تبين أن فهمكم لهذه الآيات ليس الفهم المحتمل الوحيد، فليس لكم علينا حجة. ولنتذكر القاعدة التي ارتضينا الاحتكام إليها في مثل هذه النزاعات، ألا وهي أن النص الذي يحتمل أكثر من دلالة - وفق قواعد التأويل المعتبرة - لا يصح اعتباره دليلاً قطعياً يحسم الخلاف، ومن ثم لا يصح اعتبار فهومه الممكنة جزءاً من الدين، لأنها صارت مذهباً عند التفصيل وإن كانت ديناً عند الإجمال. فما التأويلات المحتملة لآيتي الأنعام والنحل السابقتين؟.

توحي آية الأنعام (162) بمبدأ شمولية الإسلام وهيمنته على مختلف نشاطات المسلم، إذ تطلب من المكلف أن يجعل جميع تصرفاته الدينية وغير الدينية متجهة إلى الله سبحانه وتعالى. لكن الآية تسكت بعد ذلك عن بيان الكيفية التي تكون بها حياة المسلم ومماته متجهة إلى الله. إلا أن الأمر ليس غامضاً بالطبع، لأن الاحتمالات الممكنة لمعنى الآية محدودة لا تكاد تتجاوز احتمالات ثلاثة، الأول: أن يكون المقصود خضوع جميع نشاطات الإنسان لـ "مبادئ وأحكام الشريعة الإسلامية". والثاني: أن يكون المقصود خضوعها لأحكام الشريعة والفقه الإسلامييين. والثالث: أن يكون المقصود خضوع جميع نشاطات المسلم لـ"قيم" الإسلام العامة، ولأحكام الشريعة القطعية في القرآن الكريم دون أحكام الفقه الاجتهادية. والباحث يرجح هذا الاحتمال الأخير للأسباب الآتية:

أولاً: لا تستطيع أحكام الشريعة وحدها أن تغطي كامل مساحة النشاط الإنساني بالتقنين، لأن نصوص الشريعة متناهية وأفعال الإنسان وأحواله غير متناهية. وليس هناك دليل قطعي على وجوب استنباط أحكام فقهية تغطي المساحة المتروكة من قبل الشريعة، بحيث تصبح في مقام الشريعة نفسها. وحتى لو سلمنا جدلاً بوجوب تلك الأحكام الخمسة العامة التي أنجبها الفقهاء فإنها عاجزة بطبيعتها عن تحقيق هذا الطموح. ونقصد بالأحكام الخمسة: الوجوب، والحرمة، والندب، والكراهة، والإباحة. فهذا الحكم الأخير – على الأقل - مختلف بينهم على كونه من الأحكام الشرعية، وإن كان جمهورهم يعده حكماً شرعياً . فإذا علمنا أن معظم نشاطات المسلم تدخل في دائرة المباح فقد تبين لنا أن معظم تصرفات الإنسان لا تخضع لأحكام النص الديني ولا للأحكام العامة المستنبطة منه، وإنما تخضع لأحكام الاجتهاد المذهبي.

ثانياً: هناك حقيقة أخرى صريحة في القرآن الكريم تعلن الفصل بين ظاهرتين مختلفتين إحداهما تسمى الدين والأخرى تسمى الدنيا. ولا مجال للخلط بينهما. ومن شواهدها قوله تعالى: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ. (القصص77). وعلى الرغم من عدم وجود دراسات علمية تفصل بين ما ينتمي إلى دائرة الدنيا وما ينتمي إلى دائرة الدين، وذلك أثر من آثار غياب العقل التحليلي عند المسلمين، إلا أن العقل الإسلامي – في مستواه غير الواعي - كان يفرق بين الدائرتين ولو على مستوى الإجمال. ومن دلائل ذلك ما سبق الاستشهاد به من كلام الفقهاء أبي حامد الغزالي ومحمد الغزالي ومحمد البهي.

ويبقى السؤال مشرعاً: كيف يمكن أن تكون حياة الإنسان ومماته ضمن النسق الإسلامي كما تريد آية الأنعام؟. والجواب ببساطة: إن ذلك ممكن فقط عندما تصبح القيم الإسلامية – وليس الأحكام الفقهية – هي المظلة التي تغطي كامل النشاط الحيوي للمسلم. ومظلة القيم بطبيعتها واسعة ومتعالية ولا تثير مخاوف أحد، سوى أولئك المتربصين بالإنسان نفسه. وإذا كان لصاحب العلمانية الشاملة أي موقف من القيم الإسلامية نفسها، فعليه أن يقدم بيانه الواضح المقنع، وأن يجاهد في سبيل فكرته حتى يحصل على تأييد الأغلبية التي كانت مسلمة، وعندئذ فقط يمكن لهذه الأغلبية أن تصنع مرجعية الدولة، وليس في الإسلام الحق ما يمنع ارتداد المسلمين عن إسلامهم إذا أرادوا، وحسابهم على الله يوم الحساب .

أما آية النحل (89) - وهي الآية التي يحتج بها المسلم الراديكالي للدلالة على شمولية الإسلام لكل زمان ومكان - حسب تعبيره – فإن من اليسير على من أوتي المعارف الضرورية في فقه اللسان العربي أن يدرك دلالتها المقصودة. لأنه لا شك قد علم أن عبارة " كل شيء " الواردة في الآية لا تفيد الشمول المطلق، وإنما تفيد الكثرة في حدود الاختصاص. أي أن الكتاب قد نزل ليبين أموراً كثيرة يحتاج إليها الإنسان في مجال الدين لا في مجال الدنيا. ووفق هذه القاعدة وردت عبارة "كل شيء" في كل سياقات القرآن الكريم، كما وردت في لسان العرب. ومن ذلك قوله تعالى في شأن ملكة سبأ: إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ. (النمل23). كما وردت في شأن النبي المعاصر لها سليمان عليه السلام: وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ. (النمل16).

هذا هو منطق اللسان العربي، الذي حرص القرآن على الالتزام بقوانينه، والتنبيه إلى ضرورة اتخاذه مرجعاً في التأويل، أما ذلكم الفهم الذي قدمتموه للآية فهو ينتمي إلى لسان المنطق اليوناني لا إلى منطق اللسان العربي. وبين المنطقين فروق شاسعة. فالمنطق الصوري – كما هو معروف – منطق رياضي بكل ما في الرياضيات من معاني التسوير والإطلاق والشمول. أما اللسان العربي فله منطقه الخاص، الذي يحيل – للتخصيص والتقييد - إلى الثقافة حيناً، وإلى العقل حيناً، وإلى السياق حيناً، وإلى أي شفرة تؤدي غرض البيان. ولعل هذه الملامح الفارقة بين اللسانين هي التي تفصل بوضوح بين نظامين معرفيين كبيرين هما النظام المعرفي البرهاني الذي تستند إليه الفلسفة والمنطق، والنظام المعرفي البياني الذي تستند إليه علوم الفقه والتفسير واللغة في التراث العربي .

وجواباً على سؤال: ما الذي يتبقى من الإسلام بعد استبعاد المذاهب الإسلامية من مرجعية الدولة؟. نقول: يتبقى أمران أساسيان في غاية الأهمية سبق وأشرنا إليهما، هما: منظومة القيم الإسلامية الشاملة، ومجموع القوانين (الأحكام) التشريعية في المعاملات والعاديات (دون العبادات) المذكورة في القرآن الكريم. وهذه القوانين بدورها تنقسم في القرآن – من حيث دلالتها - على قسمين، الأول قطعي الدلالة لا يحتمل إلا معنى واحداً، والآخر ظني الدلالة يحتمل أكثر من تأويل. أما القسم الأول فهو قانون ملزم بنصه وعبارته، وأما القسم الآخر فالمعنى الإجمالي منه فقط هو الملزم دون المعاني التفصيلية لأنها اجتهادية. وفي هذه الحالة يصبح المشرع مخيراً بين الدلالات التفصيلية المحتملة للنصوص المجملة، لا يخرج عنها من ناحية، ولا ينظر إليها كدين مقدس من ناحية أخرى، كما ألمحنا من قبل مراراً. مع ملاحظة أن نسبة نصوص الأحكام الشرعية محدودة في القرآن الكريم.
أما أسئلتكم: أليست الدولة من خطط الدين وغاياته؟. وأليست الرئاسة منصباً دينياً؟. فإن الجواب عليها يسير للغاية، يكفي فيه أن نعيد السؤال عليكم بالصيغة الآتية: وهل زعم أحد من المسلمين بوجود دليل واحد من القرآن الكريم على ذلك؟!. فمن المعلوم لطلاب التراث الديني أن أنصار فكرتي الخلافة والإمامة لم يقدموا دليلاً قرآنياً واحداً لإثبات نظرياتهم السياسية في الخلافة والإمامة والدولة الدينية. وكل الذي يبارزون به خصومهم دليل هش يسمونه دليل "الإجماع". وبالرغم من أن دليل الإجماع في ذاته محاط بالعلل والمشكلات التي تطيح به من منصة الأدلة الشرعية، كما فعل به أكثر من فقيه، وكما هي حقيقته الموضوعية، إلا أنه – مع ذلك – لم يتحقق لهم في هذه المسألة، بعد أن خرمه الأصم من المعتزلة والنجدات من الخوارج على الأقل. وهو في أضعف الحالات دليل اجتهادي، ينتمي إلى دائرة المقولات المذهبية لا إلى دائرة المقولات الدينية، ومن ثم فهو دليل محكوم عليه بالوفاة حتى قبل مناقشته ونقده التفصيليين .

لكننا سنتوقف ملياً مع سؤال وجيه من أسئلتكم السابقة يحتاج إلى تحليل هاديء يكشف عن حقيقته، ألا وهو: ألم يؤسس النبي دولة في المدينة، ألم يكن زعيماً سياسياً في جماعته ؟. وسبب توقفنا أمام هذا السؤال هو يقين البعض من أن سيرة النبي (ص)، وإيحاءات بعض الآيات القرآنية، تدل على كونه صاحب مقام رئاسي ملوكي إلى جوار مقام النبوة والرسالة. وهو ما سنفنده تماماً، ويكفينا في أضعف الأحوال – كما أسلفت – أن ندلل على كونها مجرد أفهام ذاتية واجتهادات شخصية ومقولات مذهبية لا تلزم أحداً من المسلمين إلزام الدين المبين. ما دامت لم ترتفع إلى مستوى الدليل القطعي الذي لا يختلف عليه مسلمان. وتفصيل ذلك في السطور الآتية:

لا شك أن حدث الهجرة النبوية قد أوجد مجتمعاً سياسياً للمسلمين في المدينة المنورة في زمن النبي وصحابته. ولا شك أن النبي محمد (ص) كان له مقام ولاية الأمر على صحابته آنذاك، وكان زعيماً للمسلمين يمتلك أوسع السلطات الممكنة، لا بحكم قوته وجبروته، بل بحكم محبة أصحابه له كما قال علي عبد الرازق في كتابة الشهير "الإسلام وأصول الحكم". ثم لا شك أيضاً أن النبي قد مارس – بحكم ولايته لأمر المسلمين آنذاك – أشكالاً كثيرة من الأعمال السياسية، مثل إعداد الجيش وجمع الضرائب ومخاطبة الملوك وعقد المعاهدات. لكن، من قال إن وجود مجتمع سياسي يعني وجود دولة، أو أن كل زعامة على جماعة تعد رئاسة ملوكية، أو أن مثل تلك التصرفات السياسية تدل على وجود دولة؟!.

إن للدولة حدوداً ومظاهر لا تخطئها العين، سواء في الأزمنة الحديثة أو في الأزمنة القديمة. وحين يختلف المثقفون على وجود تلك المظاهر في حالة من الحالات، فإنما يقدمون الدليل العملي على أن تلك الحالة المختلف عليها لا تنتمي إلى مفهوم الدولة. فمن المظاهر الأساسية للدولة - في القديم والحديث - وجود دواوين (وزارات)، وسجلات، تنظم شئون الجيش والمرتبات، وتحتفظ بالوثائق والمقتنيات المهمة، وتنظم علاقة الدولة بالمجتمع، وعلاقة الدولة بالدول الأخرى. وكذلك وجود عملة محلية تمثل سيادة الدولة وقوتها الاقتصادية. ووجود جيش محترف مخصص للمهام القتالية. وأخيراً وجود صرح مؤسسي يظم اجتماعات القيادة السياسية واستقبال الوفود، كما كان الحال في عهد الفراعنة وعهد نبي الله سليمان وغيرهم. فأين هذه المظاهر من دولة النبي محمد عليه الصلاة والسلام؟! .

أما ما أثر عن النبي من ممارسات وتصرفات تشبه تصرفات الملوك والرؤساء فهي مما يصدر عن أي زعيم جماعة أو رئيس قبيلة في عصره، فإذا ركبنا الشطط وأصررنا على اعتبار تلك المظاهر دليلاً على وجود دولة ورئيس في المدينة المنورة، دون اعتبار للمعايير اللازمة في مثل هذه الحالات، فإننا بذلك نمنح كل أشكال الزعامة في عصر النبي وفي غير عصره صفة الرئاسة والملك، وبهذا يصبح كل مشائخ القبائل وزعماء الجماعات ملوكاً لدول.. فهل هذا مقبول؟!.

ثم إننا نتساءل: إذا كان منصب الإمامة – بمفهوميه السني والشيعي – من المناصب الدينية فلماذا أهمل القرآن والرسول تفاصيله؟. لماذا ترك النبي محمد (ص) صحابته ودولته في حالة فراغ دستوري أودى بهم إلى حالة من الخلاف الشديد، ما زال غبارها ثائراً حتى اليوم؟. ألم يكن من الأولى – وهو الملك – أن ينظم مسألة انتقال السلطة من بعده بصورة واضحة وقاطعة تمنع الخلاف، كما فعل بعض الخلفاء من بعده؟. ثم لماذا لم يطلق القرآن على زعامة النبي محمد وصف الملك كما فعل مع نبي الله داود ونبي الله سليمان؟. بل لماذا لم يطلق هذه التسمية على نبي الله موسى، مع أنه أعلى مقاماً - في القرآن وعند بني إسرائيل - من داود وسليمان؟. ومع أنه مارس من التصرفات السياسية ما يكاد يتطابق مع تصرفات النبي محمد؟. فكلاهما كان راعي غنم، وكلاهما خرج بقومه مهاجراً وناجياً من بطش خصومه، وكلاهما أسس مجتمعاً جديداً، وكلاهما صاحب شريعة مكتوبة. ومع ذلك فلم يقل أحد من بني إسرائيل إن موسى كان رسولاً ملكاً، كما كان داود وسليمان نبيين ملكين؟. فإذا كان القرآن نفسه يميز بين صور متعددة للزعامة النبوية فلماذا نتعمد نحن الخلط؟!.

مهما تكن إجابة المتخاصمين على الأسئلة الماضية فلن تخرج عن كونها اجتهادات بشرية تدخل في دائرة المذهب لا في دائرة الدين، وكفانا بهذا حجة لاستبعاد المسألة برمتها من دائرة الخلاف السياسي، واستبعاد ما يترتب عليها من مرجعية الدولة، نزولاً عند القاعدة التي لا مفر من الاتفاق عليها في المجتمع السياسي الذي يريد الاستقرار، ألا وهي قاعدة: فلنجعل مرجعية الدولة المتفق عليه من الدين، وليعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه من الآراء والمذاهب.

والآن، نأت إلى آخر الأسئلة الإسلامية الراديكالية المتوقعة، وهو سؤال وجيه يقول: لماذا أنتم حريصون على استبعاد المذاهب الدينية من مرجعية الدولة ولستم بهذا الحرص على استبعاد المذاهب الوضعية الراديكالية (الأيديولوجيا) من هذه الوظيفة، وهي التي أثبتت التجارب أنها كانت وبالاً على الناس عندما حكمت؟.

والجواب عند العلمانية الثالثة نفسها إذ أنها تستبعد - ضمنياً - مثل هذه المذاهب الوضعية الراديكالية، باستبعادها لكل أشكال الصيغ الشمولية في الحكم. فما إن تحل الديمقراطية في أرض حتى تخرج منها كل الصيغ الشمولية المتعصبة. ومن المعلوم أن الأيديولوجيا الوضعية لا تؤمن بالشراكة الديمقراطية، حتى وإن وصلت إلى السلطة من باب الديمقراطية، كما فعلت النازية الهتلرية. هذا من ناحية. ومن ناحية أخرى فإن قياس الأيديولوجيا الوضعية على المذاهب الدينية في هذا السياق غير دقيق، لما بين الحالتين من فروق في الطبيعة الجدلية لكل منهما. منها أن بوسع الإنسان أن يختلف مع الأيديولوجيا ويظل مع ذلك في نظر صاحبها شخصاً مكافئاً له في الحقوق والقيمة، في حين أن الاختلاف مع المذهب الديني يضع المختلف في خانة المتمرد على الله والحق عند أكثر المذهبيين. مع ما يترتب على هذا الاعتقاد من مخاطر، من بينها استحلال دمه وكرامته.

ربما يقال إن النظم السياسية ذات الطابع الشمولي – أيضاً – قد ترفع شعار الديمقراطية، كما كان الحال في الديمقراطيات الشعبية داخل المنظومة الاشتراكية. أو كتلك الديمقراطية التي نظر لها أحدهم في العهد الناصري وأطلق عليها وصف "ديمقراطية التحسس". ومفادها أن الزعيم الملهم المستبد "يتحسس" هموم الجماهير واحتياجاتها ثم يسارع إلى ترجمتها بإصدار القوانين والقرارات! .. فعن أي ديمقراطية نتحدث؟.

والحقيقة أن هذه الدراسة لا تستثني مصطلح الديمقراطية من إعادة التعريف، كما فعلت مع غيره من المصطلحات. ومن المعلوم أن الديمقراطية السياسية قد عرفت بأكثر من تعريف، كان – ولا يزال – أشهرها "حكم الشعب نفسه بنفسه لنفسه"، لكن التجارب أثبتت أنه تعريف فضفاض وغير دقيق، بدليل أنه سمح لبعض الأنظمة الشمولية أن ترفعه شعاراً لها بعد أن تفرغه من مضمونه. وكان لا بد من البحث عن تعريف جديد لهذا المصطلح يؤدي الغرض ويحقق شرطي الوضوح والدقة. وقد وجدنا بغيتنا عند مفكرين كبيرين هما فيلسوف العلم الأمريكي كارل بوبر، ومحامي الديمقراطية العربي الأشهر خالد محمد خالد. حيث اكتشفنا تطابقاً كبيراً في تعريفهما للديمقراطية، ربما دون قصد منهما أو إدراك.

 فالديمقراطية لدى بوبر هي: قدرة شعب على منع الديكتاتورية من الوصول إلى الحكم . والديمقراطية عند خالد هي: "قدرة الشعب على التغيير.. تغيير حكامه، وتغيير قوانينه عن طريق "الاقتراع الحر" وبواسطة نوابه وممثليه في برلمان أثمرته انتخابات حرة نزيهة" . وبهذا التعريف للديمقراطية يصبح من الصعب على أي حاكم أو أي نظام سياسي تفريغ الديمقراطية من حقيقتها تحت أي مبرر. فلا ديمقراطية إلا حيث يوجد تغيير سلمي للحكام والقوانين، عن طريق المؤسسات الديمقراطية المنتخبة بالاقتراع الحر النزيه. وما عدا ذلك من أشكال الديمقراطية ومظاهرها فإنه لا يمت إلى الديمقراطية بصلة. .

وهنا نصل إلى سؤال جديد يتعلق بالمذاهب الدينية والأيديولوجيا الوضعية من زاوية النظر الاجتماعية، يقول: إذا كان هذا هو موقف العلمانية الثالثة من علاقة المذاهب الدينية بالمرجعية الدستورية للدولة، فما موقفها من هذه المذاهب في الحياة الاجتماعية وفي مجال التربية والتعليم؟.

والجواب: إذا كان هدف العلمانية الثالثة على المستوى السياسي العام هو إيجاد الدولة المدنية، بمفهومها الذي فصلناه من قبل، فإن هدفها على المستوى الاجتماعي هو إيجاد المجتمع المدني نفسه، وتمكينه، وتقوية دعائمه. والمجتمع المدني " ليس هو المجتمع العام، بل هو أضيق نطاقاً منه، إنه ببساطة: النقابات، واتحادات العمال، والمؤسسات والهيئات، والجمعيات الخيرية، والنوادي، ومجموعة المنظمات غير الحكومية، والغرف التجارية، والاتحادات المهنية، ..إلخ، التي يربط بين أعضائها رباط اجتماعي ليس قائماً على القرابة أو الدين.. أي ليس قائماً على أساس وراثي مثل العائلة أو القبيلة أو رابطة الدم، ولا على أساس العقيدة الدينية الواحدة" .
والسؤال الذي يطفو على السطح هو: ما علاقة المجتمع المدني بالمذاهب الدينية، خاصة وأن التعريف السابق للمجتمع المدني قد استبعد من دائرته كل ما يقوم على أساس الروابط الدينية؟. وهو سؤال وجيه، لكنه ينسي ما ذهبنا إليه في شأن المذاهب الدينية، وأنها منتجات مدنية علمانية في ذاتها، وإن كانت مقاصدها دينية. كما يجهل أن الانتساب لهذه المذاهب لم يعد أمراً ممكناً على الصورة التقليدية بعد استبعاد وظيفة المفتي، واستبعاد فكرة أن المسلم مكلف بما في وسع العالم من الفهم. لأن الفرد المسلم في هذه الحالة سيقف عند حدود ما يفهمه من نصوص الدين، ويترك بقية المستويات لمن شاء أن يرتقي في درجات المعرفة بالدين في الدنيا ودرجات الجنة في الآخرة. ولا يحتاج المسلم البسيط لأكثر من أن يعرف الواجبات المفروضة والقيم الإسلامية العامة. وهذه لا تحتاج إلى مفتٍ يُسأل آناء الليل وأطراف النهار، وإنما يكفي أن يعرفها المكلف مرة واحدة في العمر، كما يعرف الطريق إلى بيته.

وثمرة هذا الرأي أن تصبح المذاهب التقليدية جزءاً من تراثنا الفكري، الذي مكانه الطبيعي هو المتحف، متحف الفكر البشري. ولا بأس - مع ذلك - أن تصبح جزءاً من الدرس العلمي في المعاهد والجامعات للمتخصصين بهذا الاعتبار. أما أن يمنح الناس هذه المذاهب البشرية سمة الثبات والديمومة فإنما يقعون – علموا ذلك أم لم يعلموا – في مظنة الشرك بالله. لأن الثبات والديمومة صفات إلهية لا يجوز أن ينازعه فيها أحد. وحين نزعم لمجتهد من المجتهدين – حتى لو كان نبياً من الأنبياء – بقاء آرائه وديمومتها مدى الدهر، فإنما نزعم أن كلامه ككلام الله وعلمه كعلم الله، وذلك ذنب هو أكبر – عند الله - من الشرك، قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ. (الأعراف33). ويعلق ابن القيم على هذه الآية تحت عنوان "المحرمات على أربع مراتب" بقوله: " فرتب المحرمات أربع مراتب، وبدأ بأسهلها وهو الفواحش، ثم ثنى بما هو أشد تحريماً منه وهو الإثم والظلم، ثم ثلث بما هو أعظم تحريماً منهما وهو الشرك به سبحانه، ثم ربع بما هو أشد تحريماً من ذلك كله وهو القول عليه بلا علم" .

خاتمة:

1 . قامت المذاهب الفقهية الإسلامية على فرضيتين اثنتين ليس لهما أساس شرعي متين. الفرضية الأولى تقول: إن الشريعة الإسلامية منظومة شمولية تغطي – بواسطة الأحكام الفقهية الخمسة: الوجوب، الحرمة، الندب، الاستحباب، الإباحة – كامل نشاط الإنسان المسلم والجماعة المسلمة. والفرضية الأخرى تقول: إن الفرد المسلم والجماعة المسلمة مكلفان بتقصي الأحكام الفقهية الخمسة في كل حركة وسكنة يقومان بها، مع التسليم بما يتبع ذلك من أحكام الصحة والبطلان الشرعيين المترتبة على الأحكام الفقهية الخمسة.

2 .  كانت هاتان الفرضيتان بمثابة مقدمتين منطقيتين لنتيجة منطقية تقول:  بالنظر إلى كون معظم الأحكام الشرعية غير منصوص عليها في نصوص الوحي صراحة فقد وجب استنباطها من نصوص الوحي بواسطة آليات الاجتهاد والقياس. وبالنظر أيضاً إلى كون معظم الأفراد المسلمين المكلفين غير قادرين على عمليات الاستنباط هذه بمفردهم، لافتقارهم إلى أدوات الاجتهاد والاستنباط، فقد وجب على الجاهل تقليد العالم. على خلاف يسير بين بعضهم في طبيعة هذا التقليد كيف يكون: هل يلتزم المقلد مذهبا محدداً من المذاهب المعروفة، أم يلتزم الفتوى التي يطمئن إليها من أي مذهب جاءت؟. وبهذا ينقسم المسلمون على فئتين في التكليف، فئة العلماء المجتهدين، وفئة المقلدين، ولكل فئة درجاتها التفصيلية المختلفة.

3 . بما أن صحة النتيجة الأخيرة رهن بصحة مقدماتها، وبما أن مقدماتها لا تقوم على أساس علمي متين، فقد لزم القول إن البناء المذهبي الإسلامي باطل من الناحية الشرعية. وأن المذهبية في الإسلام حالة فردية لا حالة جماعية. لأن الفرد مكلف بفهم النص حسب وسعه العقلي والمعرفي، لا حسب وسع المفتي العالم. وحين يتبنى المقلد رأي شيخه أو مذهب جماعته فكأنما يقول إن الله قد كلفني بطاعته في حدود معرفة الشيخ أو المذهب، وهذا يناقض منطق العقل ومنطق القرآن الكريم " لا يكلف الله نفساً إلا وسعها".

،،، انتهى ،،،،

الخميس، 19 ديسمبر 2013

أطروحة: العلمانية الثالثة

العلمانية الثالثة

عصام القيسي

نشرت الأطروحة لأول مرة على صفحات صحيفة الجمهورية بتاريخ:19 إبريل-نيسان 2012

الجزء الأول
في عدد سابق من “الجمهورية” نشر صاحب هذه السطور مقالاً بعنوان “العلمانية.. خارطة طريق جديدة”؛ اقترح فيه صيغة جديدة لمفهوم العلمانية، تتفق مع الخصوصية الدينية للمجتمع الإسلامي، وتزيل نقاط التوتر والاشتباك المفتعلة بينهما.
قامت هذه الصيغة على أساس إعادة تعريف كل من المفهومين الإشكاليين: العلمانية والإسلام، وبيان عناصر الاتفاق والافتراق بينهما، من خلال استبعاد الزوائد التاريخية الطارئة عليهما.
 وتلك هي الخطوة المنهجية الأساسية في إنتاج الصيغة الجديدة لمفهوم العلمانية.
وخلصنا من عملية التأصيل تلك إلى نتيجة أساسية، تقضي باستبعاد مفهوم العلمانية الشاملة، كما بينه الدكتور عبدالوهاب المسيري، في كتابه “العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة”، والتحفظ على مفهوم العلمانية الجزئية، التي اقترحها المسيري للمجتمعات الإسلامية.
ذلك أن العلمانية الشاملة تعني فصل القيم الدينية عن الحياة، وأن العلمانية الجزئية تعني فصل الدين عن الدولة، وكلاهما غير قابل للتطبيق في المجتمعات الإسلامية، لاعتبارات ديمقراطية، قبل الاعتبارات الدينية والثقافية.
ثم اقترحنا صيغة ثالثة للعلمانية هي الأكثر ملاءمة للحالة الإسلامية - من وجهة نظرنا - هي صيغة فصل الدولة عن المذهب؛ ونقصد بالدولة الكيان السياسي السيادي، أي نظام الحكم، كما نقصد بالمذهب: الأيديولوجيا السياسية، سواء أكانت نابعة من مصادر دينية أو كانت نابعة من مصادر مدنية، فالتشيع مذهب، والتسنن مذهب، والنازية مذهب، والشيوعية مذهب، كما أن كل فهم شخصي لنص ديني غير قطعي يدخل في باب المذهب لا في باب الدين، كما سيأتي تفصيله في مناسبات قادمة.
وكان بعض الإخوة المهتمين قد اطلع على المقال، وأشاد به إشادة مصحوبة بملاحظة نقدية أساسية، هي أن المقال المشار إليه جاء بلغة مكثفة مضغوطة، مع أن طبيعة الموضوع وأهميته كانتا تقتضيان البسط والاسترسال.
 وهي ملاحظة صحيحة، لها عند الكاتب ما يبررها، من تلك المبررات ظن الكاتب أن الفكرة ستخلق جدلاً علمياً لدى القراء المهتمين؛ باعتبار طرافتها وأهمية الموضوع في اللحظة السياسية الراهنة، ليس على مستوى الساحة اليمنية فحسب، وإنما على مستوى الساحة الإسلامية برمتها.
وكان هذا الجدل - لو حصل - كفيلاً بإثراء الموضوع، والكشف عن غوامضه، من قبل الكاتب نفسه، ومن قبل الأطراف الأخرى.
لكن سرعان ما تبين للكاتب أن الناس في حفلة “زار” سياسي طويلة، وأن الظروف غير مواتية للحديث في الفكر السياسي، إلا بعد انتهاء الحفلة!؛ لأن حفلات “الزار” بطبيعتها لا تحتمل التأمل والتفكر العميقين، كما يتطلب الفكر.
ومن هنا فقد قنع الكاتب بتحويل الموضوع إلى مشروع كتاب موسع، يصدره لاحقاً، عندما تسمح الظروف، لعل قارئاً عابراً يجد فيه ضالته يوماً ما.
إلا أن رغبة هؤلاء الإخوة، في إعادة طرح الموضوع على شكل مقال صحفي، بصورة أكثر تبسيطاً، لابد أن تحترم. وهو ما ننوي فعله في هذا المقال المسلسل؛ الذي نتوقع أن يجيب عن الأسئلة الآتية: هل العلمانية ضرورة سياسية أم ترف فكري؟ هل تتناقض مع الإسلام حقاً، أم أن الخصومة بينهما مفتعلة؟، هل المشكلة في العلمانية أم في الإسلام أم في فهمنا لهما؟.
وبما أن طرف العلمانية هو أبسط طرفي هذه الجدلية، فإن البدء بمناقشته هو أسلم الخيارات، حتى يتسنى لنا التفرغ لمناقشة المفهوم الأكثر إشكالاً، وهو مفهوم الدين/ الإسلام.
يرى الدكتور المسيري أن العلمانية ليست مفهوماً استاتيكياً ثابتاً، وإنما هي متتالية زمنية، أخذت في كل عصر صورة مختلفة عن الأخرى، والاختلاف هنا لا يعني بالضرورة التناقض والتعارض، وإنما قد يعني أن حدود هذا المفهوم كانت تتسع حيناً وتضيق حيناً آخر، فالعلمانية في البداية ظهرت كنقيض للسلطة السياسية الدينية، سلطة الكنيسة تحديداً.
 ومن هنا جاء شعار “فصل الدين عن الدولة”، إلا أن المسيري ينبه - في ملاحظة ذكية - إلى أن الدولة نفسها، وقت صك الشعار، لم تكن قد توسعت إلى الحد الذي نراه الآن، ومن ثم فإن حدود العلمانية في ذلك الشعار كانت أضيق بكثير مما لو طبقناها على الدولة في شكلها الأحدث.
إلا أن كثيراً من المثقفين الغربيين ثم العرب، قد استعملوا لفظ العلمانية بعد ذلك للدلالة على ظواهر أخرى أكثر اتساعاً وشمولاً، حتى صارت تعني في معظم الأحيان نقيض الديني.
 وقد أطلق بعض المفكرين الإسلاميين اسم العلمانية “الدهرية” على الشكل المتطرف من العلمانية؛ استنباطاً من قوله تعالى على لسان بعض الملحدين القدامى: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) الجاثية24، وهي كما ترى علمانية إلحادية تفصل القيم الدينية عن الحياة برمتها.
وقد أطلق المسيري على العلمانية في صورتها الأولى اسم “العلمانية الجزئية”، وعلى العلمانية في صورتها المتطرفة اسم “العلمانية الشاملة”، واعتبر هاتين العلمانيتين هما الطرفان النموذجيان للمتتالية العلمانية الزمنية، ثم رشح العلمانية في صورتها الجزئية، لتكون هي خيار العالم الإسلامي.
ويمكننا أن نخرج من كلام المسيري بنتيجتين، الأولى: أن الحديث عن العلمانية دون تبيين حدودها الدلالية المقصودة هو عمل تنقصه الدقة والموضوعية، ومن ثم فإنه أشبه باللغو، ومن حق الناس جميعاً أن يلغوا لكن ليس من حق أحد أن يلزم الناس بلغْوه.
والأخرى أن من حقنا نحن المسلمين اختيار القدر الذي يلائمنا من العلمنة، إذا دعت الضرورة أو الحاجة السياسية لذلك، بشرط أن لا يأتي هذا القدر على حساب الحقيقة العلمانية نفسها، بوصفها فضاء إنسانياً ديمقراطياً، ثبت بالتجربة التاريخية أنه الحل الأمثل لكثير من مشكلات السياسة وشرورها.
وبشرط آخر أهم، هو أن لا يأتي هذا المنتج العلماني الجديد على حساب الحقيقة الدينية، التي اختارها المجتمع نفسه، وفق مبدأ الحق الطبيعي للإنسان.
والحقيقة الدينية المقصودة هنا، بالنسبة لنا نحن المسلمين، هي الوحي السماوي، المتفق على ثبوته وحجيته، فقط لا غير، وماعدا ذلك فإنه يدخل في باب المذهب، كما سنبين لاحقاً.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل هذا ممكن؟.. هل هناك صورة تحقق المعادلة الصعبة بين الإسلام والعلمانية، دون أن تفرط في حقيقة أي منهما؟.
 هذا المقال المسلسل هو محاولة للجواب عن هذه الأسئلة وعن غيرها، وقد حققنا نصف الإجابة في السطور السابقة؛ فيما يخص الجانب المتعلق بالعلمانية، أما النصف المتعلق بالإسلام فهو موضوع الحلقات القادمة من هذا المقال.


العلمانية الثالثة (الجزء الثاني)

لا يمكن أن يكون الحديث عن علاقة الإسلام بالعلمانية، حديثاً منهجياً، ما لم نبدأ بوضع حدود واضحة لهذين المفهومين. وكان الجزء الأول من هذا المقال قد تكفل ببيان حدود العلمانية التي نعنيها في صف العلمانيات المعروضة. ونتوقع من هذا الجزء أن يتناول الحد الثاني في هذه الجدلية، وهو الإسلام، فما هو الإسلام يا ترى؟!.
إنه لشيء مؤسف حقاً أن يضطر كاتب اليوم إلى إعادة طرح هذا السؤال، بعد أربعة عشر قرناً من مجيء الإسلام. وما كنا لنطرحه لو كان هناك إجابة ناجزة. وكأن المسلمين لم يجدوا فرصة كافية خلال هذه القرون المتطاولة لتحرير أشهر مصطلح في حياتهم. وليس الأمر سهلاً كما قد يظن البعض، فإن غموض المصطلحات له عواقب وخيمة على الحياة العقلية، ومن ثم على مختلف وجوه الحياة. لأن المصطلحات الغامضة والفضفاضة كالعملة النقدية الزائفة، تمحق الاقتصاد/ الفكر بالتضخم.
وإذا قمنا بمحاولة عاجلة لتحقيق هذا المصطلح، فسنكون بإزاء ثلاثة معانٍ رئيسية على الأقل: الأول يشير إلى الإسلام في معناه التاريخي، أي الإسلام كما عرف في التاريخ. وقد عرف الإسلام في التاريخ بوصفه نقيض الديانات الأخرى، اليهودية والمسيحية والبوذية والمجوسية وغيرها. وهذا هو المعنى الشعبي والتقليدي لكلمة الإسلام، عند المسلمين وعند غيرهم.
والثاني يشير إلى المعنى القانوني للإسلام، وهو مستنبط من قوله تعالى: قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ. (الحجرات14). فالإسلام في هذه الآية هو إسلام الظاهر، أي الإسلام الذي يحاسب عليه القانون، أما الإسلام الحق، فهو مسألة قلبية لا يعلمها إلا الله.
أما المعنى الثالث للإسلام فهو الإسلام من المنظور الإلهي، أي الإسلام الذي عند الله، والذي جاء في قوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ. (آل عمران19). وهذا يشمل ما جاءت به كل النبوات وكل الرسالات السماوية، ويمثله الآن القرآن الكريم، باعتباره خلاصة الكتب السماوية جميعاً، منذ أن بدأت الرسالات مع إبراهيم (عليه السلام)، إلى أن ختمت بمحمد (صلى الله عليه وسلم): إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى، صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى. (الأعلى 18-19). وهذا المعنى الأخير هو الذي ننطلق منه في حديثنا عن الإسلام.
هل اتضح الأمر تماماً؟.. بالطبع، لا. فما زال أمامنا صفاً طويلاً من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات واضحة، منها هذا السؤال العاجل: إذا كان الدين عند الله الإسلام، والإسلام عند الله هو القرآن، فماذا عن الكتب السماوية الموجودة اليوم بين أيدينا، والتي اعترف بها القرآن من حيث المبدأ، كالتوراة والأناجيل، أو ما يسمى بالعهد القديم والعهد الجديد عند المسيحيين؟. وماذا عن الحديث النبوي؟ وماذا عن كتب المذاهب الفقهية والفكرية؟. ما موقع هذه الكتب من الدين؟!.
والسؤال الأول في مصفوفة الأسئلة السابقة، ليس ملحاً لنا نحن المسلمين اليوم، ولا يترتب عليه في موضوع العلمانية أثر يذكر، ما دام القرآن الكريم هو الكتاب المهيمن على الكتب كلها “وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ. (المائدة48). والهيمنة هنا مفهوم شمولي، يجعل النص القرآني هو “المعتمد” الأول والأخير في مجال الدين، وهو النص الذي لا يقبل النقاش لمن آمن به، أما ما عداه من النصوص فهو خاضع له خضوع القانون للدستور.
أما الجواب على سؤال الحديث النبوي، فقد فصلنا فيه القول في مناسبات أخرى سابقة ومعروفة لدى المتابعين، ومجمل القول فيه أن الحديث النبوي - حتى لو صحت نسبته إلى النبي - لا يعد جزءاً من الرسالة التي كلف النبي (صلى الله عليه وسلم) بإبلاغها للناس، وأنه - في حال ثبوته - يعد جزءاً من السيرة النبوية لا غير. وسيرة أي نبي تتضمن فهمه الشخصي للدين والحياة، لكن هذا الفهم - مهما كان فذاً - يظل محكوماً بشروط الزمان والمكان لا يخرج عنها، وهي شروط متغيرة بتغير العصور، على عكس الدين الذي يختص بسمة الثبات.
ولا مجال هنا لمزيد من تفصيل هذه المسألة ولا إيراد براهينها، فقد أفردنا لذلك دراسة وافية بعنوان “ هذا بيان للناس، حديث النبي من التاريخ لا من الدين”، منشورة قبل سنوات، في بعض المواقع الإلكترونية، وفي صفحة الكاتب على الفيس بوك، لمن شاء المزيد من التفصيل. إلا أننا معنيون هنا بالإشارة إلى حقيقتين لهما شأن بموضوع هذا المقال.
الحقيقة الأولى: أن القول بحجية الحديث، أو بعدم حجيته الدينية، هي _ في أدنى الاعتبارات _ مسألة خلافية بين مسلمين. بدليل أن أحداً من طرفي النزاع فيها لا يجرؤ على إخراج الآخر من الملة الإسلامية. وحتى إذا وجد في هذا الطرف أو في ذاك من يجرؤ على التكفير، فإنه سيظل حالة شاذة، أو محصورة داخل مذهبه، مما يعني أننا أمام حالة مذهبية بامتياز. وهذا ينقلنا إلى الحقيقة الثانية:
وهي أن الخلاف في المذهب ليس خلافاً في الدين، بل هو خلاف في فهم الدين. وعليه فإن من يزعم بأن مذهبه هو الدين، وأنه وحده جماعة المسلمين، فإنما يفتري على الله وعلى الناس الكذب. أما إذا تجاوز حد الزعم إلى حد الفعل، وذهب يرغم المخالفين على تبني مذهبه، بأي صورة من صور الإرغام، فإنه بذلك يعد خارجاً على حدود الدين نفسه، الذي ينهى عن الإكراه في الدين، بأي صورة من صور الإكراه، بنص قطعي الدلالة والثبوت: لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. (البقرة256).
وسيأتي معنا لاحقاً الجواب عن شبهة تقول: ماذا لو أن الأغلبية المذهبية _ بحكم الديمقراطية العلمانية _ أرادت أن تجعل مذهبها مرجعاً للدولة والقانون؟!. أما الآن، فلا بد أن نستكمل الجواب على سؤال المذاهب الفقهية والفكرية الإسلامية، ما موقعها من الدين؟. والإجابة عن هذا السؤال _ لحسن الحظ _ ليست معضلة، لأننا لم نجد قولاً معتبراً عند المذاهب المعتبرة يزعم أن مذهبه هو الدين نفسه، وأنه وحده جماعة المسلمين.
وحتى إذا وجد مثل هذا التهريج، فإنه سيظل رأياً شاذاً يتوارى خلف حجب التأويل من شدة الخجل، ويكفي في بيان زيفه أن نعلم أن الدين قد اكتمل قبل مجيء المذاهب جميعاً، مع قول الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً. (المائدة3).
نخلص من السطور الماضية إلى إقرار الشرط الأول من شروط تعريف الإسلام، وهو شرط الفصل والتمييز بين الدين / الإسلام، والفكر الديني / الإسلامي، باعتبار أن الدين / الإسلام هو ذلك المنزل السماوي المتفق على حجيته وثبوته، وأن الفكر الديني / الإسلامي هو ناتج دوران العقل حول النص الديني، فيما يسمى بعملية الاجتهاد والتدبر. وهذا الناتج بطبيعته لا يكون إلا بشرياً.
وقد بينا سلفاً أن المذاهب جميعاً تعد جزءاً من بنية الفكر الديني لا من بنية الدين نفسه. سواء أكانت مذاهب فقهية أو كانت مذاهب فكرية، وسواء أكانت مذاهب فردية أم جماعية، وسواء أكانت مذاهب تاريخية أم معاصرة. ويدخل فيها بالطبع المذهب القائل بعدم حجية الحديث النبوي، لقيامه على نفس الأصول والقواعد المعتبرة لدى المذاهب الأخرى، على الأقل.
وهذا الفصل المبدئي بين الإسلام والفكر الإسلامي ليس جديداً، فقد تعارف عليه المفكرون الإسلاميون منذ بدايات القرن العشرين تقريباً، وهاهو شيخ الإسلاميين محمد الغزالي يؤكد هذه الحقيقة في واحد من أقدم كتبه، هو كتاب “ ليس من الإسلام”، وينقلها بدوره عن واحد من كبار علماء الدين آنذاك هو الشيخ محمد البهي، الذي يقول بالنص: “إن الفكر الإسلامي ليس هو الإسلام، بل هو صنعة المسلمين العقلية في سبيل الإسلام، وبمشورة مبادئه”.
ليس هذا فحسب، بل يذهب الشيخان خطوة أخرى أكثر جرأة وأكثر تحديداً، في بيان الحدود الفاصلة بين الإسلام والفكر الإسلامي، فيقولان: “والإسلام هو الوحي الإلهي إلى رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وكتاب هذه الرسالة هو القرآن الكريم، وفي حكمه ما انظم إليه من سنن ثابتة للرسول توضح ما طلب توضيحه منه”!.
وهذا التعريف للوحي يتطابق تماماً مع تعريفنا له، وهو التعريف الذي يؤاخذنا عليه المشائخ والدعاة منذ أن طرحنا قضية حجية الحديث النبوي في الصحافة قبل سنوات. والفرق بين موقفنا وموقف الشيخ الغزالي، بعد ذلك، هو أننا ذهبنا وراء هذا التعريف إلى نهايته المنطقية، بينما تذبذب موقف الشيخ الغزالي منه في مواضع عديدة من كتبه.
وتكمن أهمية التعريف السابق للوحي في أنه استبعد تماماً الحديث النبوي من مجال الرسالة، واعترف فقط بالسنن التي ثبتت بالتواتر العملي، بنقل الكافة عن الكافة، وثبت أصلها الديني في نص القرآن الكريم. وهذه السنن كما يعلم المختصون محدودة للغاية، ولا تثير في الفكر الإسلامي أي معضلة حقيقية، فما بالك بالفكر السياسي.
أما ما يسمى بالحديث النبوي _ ومثله الآراء الفقهية _ فإنه لا يدخل ابتداء تحت مسمى السنن عند الأصوليين واللغويين، فضلاً عن اتفاقهم الصريح على كونه لم يثبت بطرق متواترة، كما ثبت القرآن والسنن العملية. وهذا وحده كافٍ في حسم المسألة، وإخراج محل النزاع من دائرة الدين المتفق على حجيته وثبوته، إلى دائرة الفكر الديني المتنازع عليه اجتهاداً.
والحسم هنا لا يعني _ بالضرورة _ اقتناع الطرف المخالف بهذه الحقيقة، لأن المذاهب عادة لا تسلم لخصومها بإصابة الحقيقة، وإنما يعني أن هذه التخريجة الأصولية لموقع الحديث من الدين، قد جاءت وفق القواعد والأصول المعتبرة لدى الطرف المخالف، وما دام الأمر كذلك فليس في استطاعته استبعاد الطرف الآخر من دائرة الإيمان، إلا إذا تناقض مع أصوله وقواعده المذهبية!.
ذلك هو الشرط الأول في فهم الإسلام، شرط الفصل والتمييز بين ما هو إسلام وما هو فكر إسلامي. والخلط بينهما ليس فقط خطأ في المنهج، بل إنه خطأ في العقيدة نفسها، لأنه يوقع صاحبه في مظنة الشرك بالله، ما دام هذا الاعتقاد قائماً على أسس ظنية غير محكمة، و” إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً. (النساء48). أما الشرط الثاني من شروط تعريف الإسلام، فهو موضوع الحلقة القادمة من هذا المقال، وهو شرط معرفة حدود النشاط الديني..!.



العلمانية الثالثة.. (الجزء الثالث)

هناك سؤال أولي وبسيط، لكنه على الرغم من أوليته وبساطته لم يطرح للنقاش العلمي، بصورة جدية حتى الآن، فيما أعلم.
 هذا السؤال يقول: ما هي الحدود الفاصلة بين الدين والدنيا؟ متى نستطيع القول: إننا الآن في دائرة الدين أو في دائرة الدنيا؟ ما هي نقاط الاشتباك والتداخل بين هذين المفهومين؟.
 وموضوع هذا السؤال هو الشرط الثاني من شروط تعريف الإسلام، التي بدأنا الحديث عنها في الحلقة الماضية.
قد تغري بساطة هذا السؤال القارئ بالإجابة الفورية الواثقة، لكني أنصحه بالتأني؛ لأن بساطة هذا السؤال الظاهرية تخفي وراءها غموضاً شديداً، كما تخفي الأوراق الزاهية، في الزهرة القاتلة، حقيقتها الدموية.
وهو غموض ناشئ عن دقة وتداخل الحدود المشتركة بينهما، إلى حد يصعب على العين المجردة ملاحظة ذلك للوهلات الأولى.
وقبل البدء في مناقشة هذا السؤال، والبحث عن إجابة شافية له، ينبغي أن نجيب على سؤال استباقي يقول: ما الذي يترتب على معرفة الحدود الفاصلة بين هذين المفهومين؟!.
 والحقيقة أن ما يترتب على إجابة هذا السؤال خطير جداً، يكفي في خطورته أن تعلم أن وظيفة المفتي الديني في الحياة الإسلامية مرهونة به، وجوداً وعدماً، كما سنبين في سياق قادم.. فهل تتخيل معي كيف ستكون حياة المسلم من دون الفتوى والمفتي مثلاً؟!.
إننا إذا عرفنا حدود الدين من حدود الدنيا، وأثبتنا لكل منهما صورة مستقلة في الذهن والواقع، وعرفنا طبيعة التداخل والتشبيك الحاصل بينهما، فإنما نضع بذلك الحدود الفاصلة لوظيفة المفتي فلا يتجاوزها.
هذا على فرض أنها وظيفة دينية، وعلى فرض أنها تخدم الإسلام والمسلمين، وهي فروض غير صحيحة من وجهة نظرنا.
وسنكتشف في نهاية المطاف العلمي بأنه لا وجود لوظيفة المفتي في الإسلام أصلاً، وأنها كانت خطأ من الأخطاء الكثيرة التي اقترفناها في سيرنا الحضاري، دون دراسة وتحقيق!.
واستبعاد وظيفة المفتي من حياتنا سيكون ثورة لا مثيل لها في حياتنا العقلية والاجتماعية، إلا ثورة استبعاد الحديث النبوي من دائرة الدين، بوصفه جزءاً من تاريخ النبوة، لا من رسالة النبي.
 وبهاتين الثورتين يمكن القول: إننا قد تجاوزنا أكثر من نصف مشكلاتنا الحضارية المزمنة، المشكلات التي تعود في جذورها الأولى إلى علل في الخطاب الديني الزائف.
كما يترتب على التمييز بين هذين المفهومين - من الناحية السياسية - معرفة حدود الدولة من حدود الدين، وهو شرط الحديث عن العلمانية الأول.
والكاتب يدرك جيداً طبيعة الأسئلة والمشكلات التي قد تثار في وجه هذه الفكرة، وهو حريص على مناقشتها أكثر من غيره، لكنه يؤجلها إلى مكانها المناسب، بعد استكمال الإجابة عن سؤال الدين والدنيا: أين يجتمعان وأين يفترقان؟.
وسوف نستعرض الفروض المحتملة للإجابة على هذا السؤال، ثم نناقشها فرضاً فرضاً، وفقاً لنظرية كارل بوبر في استبعاد الخطأ، بوصفها أفضل طريقة نقدية في البحث العلمي، والفرض الذي يصمد أمام الامتحان هو الذي يستحق البقاء.
لكن قبل استعراض الفروض، دعني أذكرك بالقضية المبدئية في هذا السياق، وهي أن القرآن الكريم هو الممثل الشرعي والوحيد للدين الإسلامي، وفي مقامه ما دل عليه من سنن نبوية ثابتة، لها أصل ديني في القرآن الكريم نفسه؛ كما نقلنا عن الشيخين محمد البهي الخولي ومحمد الغزالي في الحلقة الماضية من هذا المقال.
 وهو الرأي الثابت أيضاً عن الإمام محمد عبده، والإمام الأكبر محمود شلتوت، وغيرهم من علماء المسلمين المعاصرين.
والقرآن الكريم كتاب يحتوي تشكيلة واسعة من القضايا والموضوعات، ما بين قصص وأحكام وتعليمات ومواعظ وحكم، تطال عوالم مختلفة، وأزمنة متعددة، ومخاطبين شتى.
 وقد حاول الفقهاء من قديم توزيع هذه التشكيلة النصية على “أنواع”؛ فنوع أطلقوا عليه اسم “العبادات”، وآخر أطلقوا عليه اسم “المعاملات”، وثالث أطلقوا عليه اسم “العقائد”.
على اعتبار أن “العبادات” في الأصل هي تلك الأعمال ذات الطابع الطقوسي الفردي، مثل الصلاة والصوم والحج وما شابهها، وأن “المعاملات” هي تلك الأعمال ذات الطابع الاجتماعي القانوني، مثل البيع والشراء، والطلاق والزواج، إلخ.. أما العقائد فهي تلك الأخبار التي ساقها الوحي عن عالم الغيب، باختلاف صوره، ومستوياته.
ولا شك أن لدى بعض النقاد ما يقوله على هذا التقسيم، مثل عدم وضوح الفرق - من الناحية اللفظية - بين العبادات والمعاملات، ما دامت المعاملات نفسها في نهاية الأمر تعد جزءاً من الأمور التعبدية، وكذلك تداخل العلاقة بين شعبة الأخلاق والشعب السابقة.
 لكننا مع ذلك لا نجد - في هذه الوقفة النقدية - مانعاً حقيقياً من اعتماد هذا التقسيم التقليدي لمجالات الدين النوعية، مادامت قدرتها الإجرائية كافية في تحقيق المسألة قيد البحث.
وأمر آخر نلفت الانتباه إليه، قبل انتهاء هذه الوقفة التحليلية، هو طرق إنتاج الدلالة في القرآن الكريم، فمن المعلوم أن القرآن الكريم ينتج دلالاته بطرق متعددة، ومختلفة في درجة البيان والإلزام، وهو في ذلك يسير على منهاج اللسان العربي، كما حدد لنفسه من البداية، وإن كانت له خصوصيته في استعمال قوانين اللغة وطاقاتها الكامنة، هذه الخصوصية هي التي منحته سرّ التفوق اللغوي على النصوص الأخرى، ذلك أنه النص الوحيد الذي وظف قوانين اللسان العربي في طاقتها القصوى.
وقد حاول الفقهاء الأصوليون من قديم حصر طرق الدلالة القرآنية، وخلصوا إلى نتائج قيمة في هذا السياق، يلخصها عبدالوهاب خلاف في الجملة الآتية: “النص الشرعي - أو القانوني - يجب العمل بما يفهم من عبارته، أو إشارتهِ، أو دلالته، أو اقتضائه؛ لأن كل ما يفهم من النص بطريق من هذه الطرق الأربعة هو من مدلولات النص، والنص حجة عليه. وإذا تعارض معنى مفهوم بطريق من هذه الطرق، ومعنى آخر مفهوم بطريق آخر منها رجح المفهوم من العبارة على المفهوم من الإشارة، ورجح المفهوم من أحدهما على المفهوم من الدلالة”.
إن جملة خلاّف السابقة على درجة كبيرة من الأهمية بالنسبة لنا في هذا المقال؛ لأننا بعد أن حددنا صورة الوحي في القرآن الكريم، وحده لا شريك له، كان لابد أن نحدد الطرق المعتبرة في فهم هذا الكتاب؛ لأن ذلك هو الأساس في معرفة ما هو قطعي الدلالة وما هو ظني الدلالة فيه، ومعرفة القطعي من الظني هو الأساس الأول في معرفة الفرق بين الدين والمذهب؛ إذ إن المذهب الديني هو كل فهم بشري لنص ديني غير قطعي الدلالة أو الثبوت.
ومن المعلوم أن أكثر النص القرآني غير قطعي الدلالة، إما بسبب الخفاء، أو الإشكال، أو الإجمال، أو التشابه، في بعض نصوصه، ومن ثم فإنه لا يلزم المخالف منه إلا القدر المتفق عليه من المعنى، أما القدر المختلف فيه، فهو مما يلزم صاحبه أمام نفسه وأمام الله فقط، وهذا هو مقتضى رأي جمهور الأصوليين لحسن حظنا..!.
وحين يترجم هذا الكلام إلى مبدأ قانوني دستوري، فإننا نكون بإزاء أول خطوة في الطريق إلى العلمانية من منظور ديني.
 وخلاصة هذه الترجمة القانونية تقول: إن كل ما ينتجه العقل المسلم من أحكام مستنبطة من نص ديني غير قطعي الدلالة، فهو داخل في دائرة المذهب والفكر الديني لا في دائرة الدين، وكل ما كانت هذه طبيعته فهو منتج مدني علماني، حتى وإن جاء من أصول دينية..!. وهذا هو الذي سيقودنا في نهاية المطاف إلى إلغاء دور المفتي الديني برمته، كما سنبين في تفصيل لاحق.
إلى هنا نكون قد وضعنا العتبة الأساسية للدخول في مناقشة الفروض المحتملة لعلاقة الدين بالدنيا، وحدود هذه من تلك، ابتداء من الحلقة القادمة.




العلمانية الثالثة (الجزء الرابع)


الآن، وقد ميزنا بين الإسلام والفكر الإسلامي، وقلنا: إن القرآن هو الممثل الشرعي والوحيد للدين الإسلامي، وما في حكمه من سنن ثابتة دل عليها القرآن دلالة صريحة، وإن الفكر الإسلامي هو كل فهم بشري لنص غير صريح من القرآن الكريم، مثل ذلك الفهم الذي جعل الحديث النبوي، وما يسمى بالإجماع، وغيرهما، من مصادر الشريعة..!.
وبعد أن ميزنا بين ثلاثة أنواع من مجالات النصوص القرآنية، هي العقائد والعبادات والمعاملات، حسب التقسيم التقليدي للفقهاء، فقد أصبح من حقنا أن نسأل: ما هي المساحة التي يشغلها الدين من حياة الإنسان المسلم؟ هل يشغل كامل النشاط الإنساني، أم يشغل نشاطات بعينها دون أخرى؟ كيف؟.
هناك عدد من الفروض المحتملة في هذا الشأن؛ أولها أن يكون الدين مهيمناً على كل جوانب الحياة هيمنة قانونية، وثانيها أن يكون مهيمناً على كل جوانب الحياة هيمنة أخلاقية فقط، وثالثها أن يكون مهيمناً على كل جوانب الحياة هيمنة أخلاقية وعلى بعض جوانبها هيمنة قانونية.
لكي تكون الإجابة وجيهة ومقبولة لابد من استنطاق القرآن الكريم نفسه؛ فهل في القرآن نص يحسم هذه المسألة؟. والجواب: ليس في القرآن الكريم نص قطعي في تفصيل هذه المسألة، لكن فيه نصوص موهمة يفيد ظاهرها الشمول والإحاطة، مثل قوله تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ.(النحل89). وقوله تعالى: قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.(الأنعام162).
وقد اعتقد كثير من الناس أن عبارة “تبياناً لكل شيء” في آية النحل السابقة، تعني الإحاطة والشمول، وهو فهم قاصر نتج عن ضعف معرفة بلسان العرب، الذي هو المرجع في لغة القرآن الكريم. بينما هي في هذا اللسان كناية عن الكثرة والاتساع، ضمن مجال الاختصاص. هكذا وردت في القرآن الكريم، في مثل قوله تعالى على لسان الهدهد: إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ [النمل:23]. وعن سليمان: وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ [النمل:16]. وعن موسى: وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ [الأعراف:145].
ولم يقل أحد أن ملكة سبأ أو النبي سليمان قد أوتيا من كل شيء بالمعنى الرياضي أو الفلسفي للعبارة، ولا أن ألواح التوراة قد شملت كل صغيرة وكبيرة في الحياة.
 وأظهر دليل على ذلك أن ظاهر العبارة يدل على أن ملك ملكة سبأ يساوي ملك نبي الله سليمان عليه السلام، وهذا خطأ لا شك فيه، ولا جدال، وكذلك فإن ألواح موسى - بعددها المحدود - لا يمكن أن تتناول كل صغيرة وكبيرة في الحياة، بحيث لا يفوتها علم من العلوم إلا خاضت فيه، وإلا لما احتجنا إلى نيوتن وإنشتاين وأحمد زويل!.
خلاصة الأمر هي أن عبارة كل شيء الواردة في القرآن الكريم لا تفيد الشمول المطلق كما يتبادر إلى أذهان العامة ومن في حكمهم من المفسرين، باستثناء ما جاء في حق الله تعالى مثل قوله: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ. (الزمر62)؛ لأن اختصاص الله هنا يشمل كل شيء في الوجود، على سبيل الحقيقة لا على سبيل الكناية والمجاز.
أما آية “الأنعام” السابقة فهي لا تفيد بعبارتها أن حياة المسلم ومماته يخضعان للتشريع والتقنين، وإلا فليقولوا لنا كيف يمكن تقنين الموت؟!. ودلالة العبارة هي الخضوع الباطني لله تعالى، والاعتراف بسلطانه الشامل على الوجود، لكن الله تعالى لم يرد أن يكون سلطانه الشامل تشريعياً على الناس، بل سلطان أخلاقي في المقام الأول، وإن غطى بالتشريع بعض أوجه نشاط الإنسان.
يبدو أننا قد حسمنا خياراتنا مبكراً، وقررنا اختيار الفرض الذي يقول: إن الدين - الإسلام - يغطي مختلف جوانب الحياة بمبادئه الأخلاقية العامة، لكنه لا يغطيها كاملة بتشريعاته القانونية.
وسنعرف لاحقاً ما الذي يترتب على هذا الاختيار، بعد أن نستكمل تأكيد هذه الفرضية وتفنيد الفروض الأخرى المقابلة؟.
إن الفرض الذي يقول بأن الدين هو علاقة بين العبد وربه، يعني في نهاية المطاف أن الدين – الإسلام - هو فقط مجموعة العقائد والعبادات، بالإضافة إلى بعض الأخلاق اللازمة للفرد، غير المتعدية للمجتمع.
 ومن معاني هذه العبارة - بقصد أو بدون قصد - أن شعبة “المعاملات” لا تدخل في نطاق الدين، وهذا أمر ترده النظرة الأولى في القرآن الكريم.
لكن الشيء الذي ينبغي التأكيد عليه هو أن الأحكام التشريعية التي تطال العلاقات الاجتماعية - ومنها أحكام السياسة - لا تغطي كامل المساحة الاجتماعية، إذا ما اعتبرنا أن الأحكام الشرعية هي تلك التي نص عليها القرآن، بأية صورة من صور الدلالة الأربع، التي نقلنا عن عبدالوهاب خلاف من قبل، ولهذا تحديداً اضطر الفقهاء لصناعة أصول الفقه، حتى يستنبطوا على ضوئها ما يلزم من الأحكام المتجددة.
والشيء الذي لا نقره هنا هو اعتقادهم بأن ما ينتجونه على ضوء هذه الأصول، ووفق هذا المنهج يعد جزءاً من الإسلام (الدين)، بينما كان ينبغي القول: إنها جزء من بنية الفكر الإسلامي، التي هي بطبيعتها بنية مدنية، مادامت أثراً من آثار العقل الإنساني.
 والقول بأنها جزء من الدين، يعني - بالتضمين - أن الإنسان قد ينتج القداسة، مثل الإله تماماً، وهذا هو الشرك بعينه..!.
إن الخطأ الذي وقعت فيه المؤسسة الدينية الإسلامية، هو أنها حاولت تقنين كل أوجه النشاط الإنساني، ثم إضافة مخرجات هذا التقنين إلى دائرة الدين المقدس الذي يأثم منكره ومخالفه.
ولأن عملية التقنين هذه بطبيعتها واسعة النطاق، فقد كان لابد من وظيفة المفتي الشرعي؛ لأن المسلم العادي لا يستطيع أن يتعرف على كل الأحكام من تلقاء نفسه؛ إما بسبب كثرتها، وإما بسبب غموضها.
وإذا سلمنا بكون الفكر الديني هو جزء من بنية النشاط المدني للإنسان، فإن وظيفة المفتي تكون حينئذ وظيفة مدنية لا وظيفة دينية، مثلها مثل وظيفة المعلم، في أي مجال من مجالات التعليم الأخرى، مع فارق بسيط بين الوظيفتين هو أن وظيفة المعلم ضرورة اجتماعية، ووظيفة المفتي ضرر اجتماعي كبير، لا حاجة لنا به..!.
أما كيف تكون وظيفة المفتي خطأ إسلامياً وضرراً إنسانياً، وما علاقة ذلك بما نحن فيه من حديث عن العلمانية الثالثة، وغيرها من الأسئلة، فهي موضوع الحلقة القادمة من هذا المقال.


العلمانية الثالثة (الجزء الخامس)


هل وظيفة المفتي الشرعي وظيفة دينية يقرها الإسلام، أم أنها اختراع بشري، من اختراعات كثيرة قدمها المسلمون للبشرية؟!.
 هل يحتاج المجتمع المسلم إلى وظيفة المفتي حقاً أم أنها زائدة دودية لا حاجة له بها؟.
هذه هي الأسئلة التي أثرناها في سطور سابقة من هذا المقال، ووعدنا بالإجابة عنها بصورة مفصلة قدر ما نستطيع.
من المعلوم في الأوساط العلمية الإسلامية أن الأحكام لا تثبت وجوباً إلا بأدلة قطعية في الحجية والثبوت والدلالة. وهذه الشروط مجتمعة لا تتوفر إلا في بعض نصوص القرآن الكريم فقط. فهل هناك نص بهذا المستوى في القرآن، يحث على وظيفة المفتي الشرعي في الإسلام، ويحدد طبيعتها يا ترى؟.
المتابع لخطاب المؤسسة الدينية الإسلامية يجد أن لديها أدلتها وحججها في التشريع لوظيفة الإفتاء، إلا أنها أدلة واهية لا تثبت أمام النقد العلمي الفاحص. ومن ذلك احتجاجهم بآيات قرآنية من مثل قول الله تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ. (التوبة122).
إذ يعتقدون أن الآية تحرض على تأسيس طبقة من رجال الدين، يكون من مهامهم إفتاء الناس في كل صغيرة وكبيرة من أمور الدين. وأمور الدين عندهم تشمل كل وجوه النشاط الإنساني، بما فيها طريقة الجلوس على مرحاض “التواليت” كما يزعمون، وكأن الإنسان لا يستطيع أن يجتهد حتى في كيفية قضاء الحاجة..!.
بينما منطوق الآية لا يفيد سوى الحض على التفقه في الدين، وقد عرفنا معنى الدين فيما مضى، والفقه هو المعرفة الدقيقة بالدين، ومن هذه المعرفة الدقيقة أن يميز المسلم بين الدين والفكر الديني، وبين حدود الدين من حدود الدنيا. وليس في الآية ما يتجاوز حدود العلم بالنصوص المنزلة ودلالاتها العامة.
وهناك فرق بين أن يتعلم الناس الدين، على التفصيل السابق، وبين وظيفة الإفتاء المعروفة، ففي الحالة الأولى سيكتفي العامي بمعرفة ما هو في الدين بالضرورة، أي ذلك القدر من الدين الذي يعفيه من العقاب يوم الحساب، ويدخله الجنة، كما فعل عوام الصحابة ومن في عصرهم. بينما سيحاول المسلم المثقف التقدم إلى مناطق أخرى أكثر غموضاً ودقة، فيرتقي عند الله بقدر ما ارتقى في سلم العلم بها.
وفي الحالة الأخرى، سيضطر العامي والمثقف إلى معرفة ما فوق الضرورة الدينية، لا عن طريق التعلم الذي سيربي فيهما ملكة الفقه، وإنما عن طريق التلقين، الذي يحول صاحبه، بمرور الوقت، إلى مجرد كائن بليد ينفذ دون أن يعرف حقيقة ما يفعل.
بينما الحقيقة أنه لا المسلم العامي ولا المسلم المثقف يحتاجان إلى المفتي والفتوى؛ لأن المسلم العامي لا يمكن أن يكلف أمام الله، بما فوق وسعه من الفهم، وفقاً لقوله تعالى: لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا (البقرة286). وليس في وسع العامي أن يفهم طرق الفقهاء في الاستنباط والقياس، حتى يكون ملزماً بنتائج هذه الطقوس العلمية المعقدة.
أما المسلم المثقف فإنه لا يحتاج إلى المفتي؛ لأنه إما يمتلك القدرة على فهم النصوص بنفسه دون معونة المفتي، وإما أنه لا يمتلكها، ومن ثم فهو ملزم فقط بما وصلت إليه مداركه، لا بما وصلت إليه مدارك غيره.
وهذا المنطق الذي نقول به ليس غريباً تماماً عن الفكر الإسلامي، فمن المعروف أن بعض الفقهاء، مثل ابن حزم، قد حرّم التقليد في الدين جملة وتفصيلاً، مطالباً جميع المسلمين بالاجتهاد، بما فيهم العوام والجهلة؛ لأن اجتهادهم لن يكون إلا بقدر وسعهم، ووسعهم لن يقل عن مستوى المحكم، الذي هو معلوم لكل الناس بالضرورة. ومن حسن حظنا أن جمهور الفقهاء قد حرم التقليد على المجتهد القادر على النظر والاستنباط.
كما أن المؤسسة الدينية تحتج بمثل قوله تعالى: وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً (النساء83). معتقدين أن الآية تدعو المسلم إلى الرجوع بكل ما يلمه من المسائل إلى حضرة المفتي، الذي كلف باستنباط الأحكام الشرعية من مظانها، على ضوء القواعد والأصول التي وضعوها لأنفسهم.
بينما منطوق الآية يتحدث عن “الأمن” و”الخوف”، وهي شؤون سياسية بحتة لا دخل للدين بها، يدخل فيها اليوم ما يسمى بالأمن القومي للدول. ورد هذه الأمور إلى الرسول، يعني إرجاعها إلى شخص النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، بوصفه ولي أمر المسلمين الأول آنذاك، لا بوصفه النبي الرسول كما يعتقد بعض الفقهاء والمشائخ.
ومن القرائن الدالة على صحة ما نقول: إن الآية لم تطالب بإرجاع الأمر إلى الله والرسول كما تعودنا في آيات أخرى شبيهة، مثل قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً. (النساء59).
ذلك أن عبارة “تنازعتم في شيء” تشمل النزاع في الدين والدنيا، كما تشمل نزاع القلوب ونزاع العقول، وهذه الأنواع من الاختلاف بحاجة إلى مرجعية إلهية، تلتقي عندها قلوب المتنازعين قبل عقولهم، أما مسائل الأمن والخوف، وغيرها من مسائل الاجتماع السياسي، فلا تحتاج لأكثر من أهل الاختصاص في الدولة والجماعة.
إن آية (النساء83) هي واحدة من الآيات القرآنية التي تفتح باباً للعلمانية بمفهومها الإسلامي، حيث تجعل مرجعية القضايا السياسية مرجعية مدنية لا دينية، ذلك أن النبي (صلى الله عليه وسلم) في هذه الآية - كما قلنا - كان في مقام ولي الأمر لا في مقام المبلغ، ومقام الولاية السياسية هو مقام مدني لا ديني، كما هي طبيعته، وكما أثبتنا في مقال سابق نشر على صفحات (الجمهورية) بعنوان “الإمامة والخلافة والوهم”.
ومما يلفت الانتباه أن شمس الدين بن قيم الجوزية، في كتابه الموسوعي والمرجعي المسمى “أعلام الموقعين عن رب العالمين” لم يذكر آية واحدة في التشريع لوظيفة الإفتاء بعد الرسول (صلى الله عليه وسلم)، مع حرصه الشديد على تأصيل كل شاردة وواردة في مجال الإفتاء، مما يدل على أن هذه الوظيفة قد تكونت بمحض الخلط وتقليد أهل الكتاب، لا استجابة لمطلب قرآني.
لكن، هل معنى ذلك أن لا يكون للإسلام (القرآن) علماء متخصصون يكشفون غامضه ويجلون أسراره؟!. بالطبع لا، فنحن لا نقصد ذلك؛ فالقرآن الكريم خطاب عام شامل، يقوم على شبكة نصية لغوية واسعة ومتنوعة، فيها الواضح الجلي وفيها الغامض الخفي، وما كان هذه صفاته فهو يحتاج إلى علماء متخصصين ولا شك.
غير أننا نؤكد مع ذلك على أمور، أولها: أن وظيفة هؤلاء العلماء والدارسين، ليست وظيفة دينية، بل وظيفة مدنية، مثلها مثل بقية وظائف العلم والمعرفة الأخرى. ومن ثم فإن الاختلاف معهم كالاختلاف مع علماء الأدب والفيزياء، لا فرق.
وثانيها: أن العلم بهذا الخطاب لا يشترط فيه أن يكون العالم مؤمناً زاهداً عابداً يمشي على الماء من فرط كراماته، بل يشترط فيه أن يكون مدركاً لطبيعة الخطاب ومرجعيته المعرفية وقوانين اللسان الذي نزل به، حتى لو كان من الكافرين بحجيته..!.
وآخرها: أن ما يلزم الفرد المسلم من هذا الخطاب أمام الله، هو فقط ما بلغه وسعه من الفهم، لا ما بلغ وسع العالم منه، ومن ثم فإن الفتوى والمفتي عملان لا معنى لهما في ظل هذه الحقيقة.. وللحديث بقية.



العلمانية الثالثة (الجزء السادس)

إذا كنا نقول: إن وظيفة الإفتاء ليست وظيفة دينية، وإنما هي وظيفة مدنية، وإن الدين والمجتمع الإسلاميين ليسا بحاجة إليها، وإن المسلم لا يكلف أمام ربه إلا بما يطيقه وسعه في المعرفة، وإن المسلم العادي لا يمكن أن يطيق فهم الوسائل العلمية التي يتوسل بها الفقهاء في استنباط الأحكام، ومن ثم فإنه غير ملزم بمخرجات هذه الوسائل من الأحكام، فضلاً عن كونها منتجات مدنية لا دينية؛ باعتبارها أثراً من آثار العقل البشري، والعقل لا ينتج القداسة والدين، وإنما ينتج فكراً دينياً.
إذا كنا نقول ذلك، فإن السؤال الذي قد يتبادر إلى ذهن القارئ هو: ما موقف المسلم من الأوامر والنواهي المجملة أو المبهمة في القرآن الكريم؟ كيف نفهم - مثلاً - قول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ. (المائدة6)، ونحن لا نعرف أين تبدأ حدود الوجه وأين تنتهي؟، هل يدخل الأنف والأذن في معنى الوجه أم لا؟!.
وجوابنا: إن هذه الطريقة من الاستقصاء والتفصيل، هي طريقة المغضوب عليهم من أهل الكتاب، التي حذر القرآن منها، وما قصة البقرة في سورة البقرة إلا نموذج ساقه القرآن؛ لكي نحذر من هذا السلوك النفسي المشين، فقد كان يكفي بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة - أي بقرة - وستفي بالغرض، لولا ادعاء الحرص والتكلف الزائدين.
وكذلك الحال مع غسل الوجه في الوضوء، وغيره من الأحكام، لا تحتاج إلى كل هذا العناء والنصب، فالعربي يعرف - على وجه الإجمال - معنى الوجه، وهذا يكفيه في تحقيق الغرض، فمن ظن أن الأنف والأذن والحنجرة داخلة في معنى الوجه، فذلك شأنه، ومن اعتقد أن ظاهر الوجه هو الوجه، فذلك يكفيه، وكلاهما في الوضوء سواء..!.
ومن المعلوم أن الأحكام التعبدية والاعتقادية الواجبة، قد وردت في القرآن بلغة واضحة ميسرة: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ. (القمر17). لغة يفهما أدنى مستوى من العقل.
 وهذا هو سرّ وجوب أحكامها على الناس كافة، وإن جاء بعضها مجملاً فإن ذلك من عادات اللسان العربي، يمارسها بصورة يومية، ويفهم أصحاب اللسان المقاصد والأغراض، دون حاجة إلى مفتٍ.
ولا يحتاج المسلم لأن يتعرف على هذه الأحكام كل يوم وكل شهر وكل سنة، من فم المفتي، كما يفعل العاطلون عن العمل، والعاطلون من العقل، وإنما يكفيه أن يعلمها مرة واحدة في العمر، كما يعلم الطريق إلى بيته، ليمضي فيه بقية عمره.
وإذا ساقته نفسه الأمّارة بالفضول إلى طرح الأسئلة التفصيلية، فإنه في هذه الحالة لن يحتاج إلى المفتي، بل يكفيه ما وصل إليه عقله من قناعات فيها؛ لأن الإنسان مسؤول عن قناعاته أمام الله، لا عن قناعات المفتي..!.
قد يقول أحد المتطيرين: إن هذه الطريقة ستضيع الدين وتجعله عرضة للعبث.. وهذا كلام هلامي لا يعرف رأسه من رجليه؛ لأنه لم يضع لنفسه ولنا، حدود هذا الدين الذي سنضيعه.
ومن الواضح أنه يخلط بين الدين المنزل من السماء، وبين الفكر الديني النابت من الأرض. ونحن بدورنا نحب أن نؤكد له أن هذه الطريقة هي التي ستحفظ تدين الناس من الزيف والرياء، وستعيد إلى الدين حقيقته التي دثرها تراب الفكر الإسلامي التقليدي..!.
ذلك أن للحقيقة مظهران، أحدهما فردي والآخر اجتماعي، والمظهر الفردي هو الركيزة الأساس في التدين، بمعنى أن الله سبحانه يطلب الاستجابة من الفرد أولاً ثم من المجتمع، ولهذا فإنه يخاطب الفرد أولاً، ويشرع للفرد أولاً، وفي نهاية المطاف فإن الفرد وحده هو الذي يحاسب.
كما أن الإسلام قد ركز على المستوى النفسي الباطني، داخل البعد الفردي للخطاب، وجعله الأساس في التدين والاستجابة. وأعطى المستوى الخارجي للفرد أهمية ثانوية بعد المستوى النفسي.
 يلحظ المتابع ذلك في أكثر من مظهر؛ منه - على سبيل المثال - ترتيب مستوى الذنوب من الأدنى إلى الأعلى، بحيث يكون مستوى الذنب صاعداً من الحسي (الخارجي) إلى المعنوي (الباطني)، قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ. (الأعراف33).
“فرتب المحرمات أربع مراتب، وبدأ بأسهلها وهو الفواحش، ثم ثنى بما هو أشد تحريماً منه، وهم الإثم، والظلم، ثم ثلّث بما هو أعظم تحريماً منهما وهو الشرك به سبحانه، ثم ربّع بما هو أشد تحريماً من ذلك كله وهو القول عليه بلا علم”. حسب عبارة ابن قيم الجوزية.
والشاهد فيما مضى هو أن النص القرآني قد تعمد ترك مساحات مجهولة في مجال التدين؛ لأن هذه المساحات هي مجال اختبار الإرادة وصدق التوجه؛ لأن المسلم إذا صدق في عبادته فإنه لا يحتاج إلى مفتٍ يبين له طريق الحق من طريق الباطل؛ إذ يكفيه أن يسأل ضميره الحيّ: هل هذا مما يتفق مع روح الإسلام أم لا؟ ولابد أن يهديه ضميره إلى الجواب الأمثل، وبهذا يظل ضميره حياً يقظاً طوال الوقت.
وإن للإسلام خصائص عامة، يدركها أي مسلم، مهما كان مستوى عقله. يدركها لكثرة تعرضه للخطاب القرآني، ومعرفة اتجاهاته العامة، كما يعرف الاتجاهات العامة لسياسة الدولة، دون أن يكون خبيراً في العلوم السياسية. مثل تلك الخصائص التي تحدث عنها سيد قطب في كتابه: “خصائص التصور الإسلامي ومقوماته”.
فالربانية والتوازن والإيجابية والواقعية، معاني يستطيع إدراكها أي مسلم بسيط، حتى لو عجز عن التعبير عنها. وإذا حدث وعجز الفرد المسلم عن إدراكها، فإن المسؤول الأول عن ذلك هو الخطاب الديني الزائف الذي شوّش الفطرة وشوّه الدين.
يكفي أن يسأل المسلم نفسه، أمام أي عمل من الأعمال: هل هذا العمل رباني، إيجابي، متوازن، واقعي؟. فإذا أجاب ضميره بـ”نعم”، فذلك مما يحبه الله ويرضاه، وإن أجابه بـ”لا” فهو مما ينبغي تركه، هكذا بمنطق الفطرة البسيط، دون حاجة إلى فضيلة المفتي وفضلاته..!.
أما إذا كان المسلم سيء الطوية، فإنه - خوفاً من المجتمع لا خوفاً من الله - سيبحث عن الفتوى التي تعفيه من ملامة الناس، في بعض الأحيان، فإذا قال له المفتي: إن زواج التحليل شرط في صحة زواجه بعد الطلقة الثالثة، فإنه قد يكتفي بعقد زواج المحلل، وسند الطلاق، لكي يعود إلى زوجه، سواء صح هذا الفعل عند الله أم لم يصح.
إن وظيفة المفتي تترك آثاراً سلبية على الحياة الإسلامية برمتها؛ لأن هذه الوظيفة تأتي على حساب الرقابة الذاتية للفرد المسلم، المستهدف الأساسي بالخطاب القرآني.
كما أنها تبرر في الحس الإسلامي - بوعي أو بدون وعي - وجود طبقة من الوسطاء الكهنة، بين المكلفين وبين ربهم، وهو الخطأ الذي وقعت فيه المجتمعات الكتابية السابقة.
ومما يجدر ذكره أن وظيفة المفتي هذه لم تكن معروفة في المجتمع الإسلامي الأول، بعد انقطاع الوحي. وكل ما جمعه المسلمون من آراء للصحابة، لم يكن في حقيقته من باب الفتوى، بل من باب الاجتهاد الذاتي التلقائي، الذي لا يلزم أحداً.
وإن الناظر في المواقف المنسوبة إلى شخصية كعمر بن الخطاب مثلاً، يلحظ بجلاء أن الرجل لم يكن يعتمد في استنباطه للأحكام السياسية على الآلة الأصولية الصورية، التي رسم أصولها لاحقاً الإمام الشافعي، متأثراً بالمنطق الأرسطي. بل كان يعتمد نوعاً من النظر العقلي الإجمالي للنص القرآني. قريباً من الطريقة التي تحدثنا عنها قبل قليل، أي النظر إلى الخصائص العامة للإسلام، لا إلى الأحكام التفصيلية.
فهو حين أوقف توزيع الفيء على فاتحي العراق بما يخالف ظاهر النص القرآني، لم يعتمد طريقة الأصوليين في استخراج النتائج بعد استقصاء المقدمات، وإنما نظر بعين بصيرته، مستنداً إلى خبرته الإجمالية بالإسلام، فوجد أن هذا هو الأنسب، والأكثر اتفاقاً مع ربانية الإسلام وإيجابيته وتوازنه وواقعيته. هذه الخصائص التي تجلت في فلسفة القرآن تجاه المال في قوله تعالى: كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ. (الحشر7).
إن هذا التصور لطبيعة الدين، سيخلق مجتمعاً راقياً، متسامحاً، بسيطاً. وقبل ذلك سيخلق مجتمعاً مؤمناً، يعرف أن الدين ضميرٌ حيٌ، قبل أن يكون طقساً اجتماعياً محفوفاً بالنفاق. كما أنه يكشف عن مساحات العلمنة الواسعة في الدين الإسلامي. وهي المساحات التي حاولت المؤسسة الدينية “البسط” عليها وضمها إلى أوقاف الفقهاء..!.


العلمانية الثالثة (الجزء السابع)

 في نهاية هذه الجولة النقدية التحليلية لمفهومي العلمانية والإسلام، أجد من المناسب استعادة ذلك السؤال الذي بدأنا به سلسلة هذا المقال، وهو: هل بالإمكان حقاً إيجاد صيغة علمانية تتفق مع روح الإسلام ومقاصده، دون أن تأتي على حساب حقيقتي الإسلام والعلمانية؟.
 والجواب بـ”نعم” هو خلاصة هذه السلسلة المقالية، بالنسبة للكاتب ومن يتفق معه في الرأي.
إلا أن الكاتب يفترض وجود قارئ معارض لهذه الأطروحة، لن يعترف ببعض مقدماتها، ولا بالنتائج المترتبة عليها، بدوافع مختلفة ستأخذ عند بعضهم مظهراً علمياً، أو مظهراً تقوياً (من التقوى).
 والكاتب لا يطمع في إقناع كل أصناف المعارضين لهذه الأطروحة، فذلك أمر يعجز عنه حتى الأنبياء، لكنه يطمح في تحقيق عدد من الأهداف البسيطة، ذات الأثر القوي، في حياتنا السياسية والعقلية.
من بين تلك الأهداف، نزع أقوى أسلحة المتخاصمين على العلمانية والإسلام، وذلك بنزع أقوى حججهم في الرفض؛ إذ لم يعد للعلماني حجة قوية في رفض مرجعيةً الإسلام للدولة ذات الأغلبية الإسلامية، ما دمنا قد استبعدنا من هذه المرجعية كل منتج بشري ذي صبغة دينية، مكتفين بالنص السماوي القطعي، وهو بطبيعته نص محدود للغاية، ولا يشكل تهديداً حقيقياً لجوهر العلمانية.
وكذلك فإنه لم يعد للإسلامي الراديكالي حجة صلبة في رفض العلمانية المذهبية، مادمنا لم نستبعد الدين من مرجعية الدولة، إلا إذا شاء أن يقتحم العقبة، ويزعم أن المذهب هو الدين، وأن الدين هو المذهب، وفي هذه الحالة يكون قد حفر قبره بيده، وأعطى خصمه السكين التي ستجهز عليه.
وبقي أمامنا سؤال مركزي، هو: هل الفصل بين الدين والمذهب ممكن فعلاً، أم أنه مجرد طموح؟.
والجواب أن الفصل ليس ممكناً فقط، بل هو قائم بالفعل؛ بدليل أن الناس يقبلون - من حيث المبدأ - بالخلاف في المذهب، لكنهم لا يتسامحون أبداً في المساس بالدين.
 وإذا كان العلماء يستطيعون تفسير ذلك وتبريره بلغة علمية، فإن العوام يشعرون بهذه القسمة في عقلهم الباطن، دون قدرة على التعبير.
وقد قدمنا فيما مضى بعض نصوص رجال المؤسسة الدينية التقليدية المعتبرين، التي تصرح بالتمييز بين الدين والفكر الديني، وأن الدين مجسد في نص القرآن الكريم، وحده لا شريك له.
مما يعني خروج كافة النصوص المنسوبة إلى النبي (صلى الله عليه وسلم)، والصحابة، والفقهاء، من دائرة الدين إلى دائرة الفكر الديني (المذهب).
فإذا أضفنا إلى هذا التصريح اعترافاً آخر من جميع الفقهاء، بأن معظم النص القرآني ليس قطعي الدلالة، وأن كل فهم لنص ظني الدلالة لا يلزم إلا صاحبه، فقد وصلنا إلى أخطر النتائج على الإطلاق.
 وهي النتيجة التي تقول: إن النص القرآني ملزم للمؤمنين به، على وجه الإجمال فقط، أما عند التفصيل فإن النسبة الأقل من نصوصه هي الملزمة للجميع.
ونعني بها ذلك المستوى القرآني المحكم، الذي لا يقبل التأويل، وفق المرجعية البيانية للقرآن الكريم.
إن هذا المستوى المحكم من القرآن الكريم هو على وجه التحديد القدر المتفق على مرجعيته للدولة والمجتمع، أما الآيات التي تقبل التأويل والفهم على أكثر من وجه، فهي مرجعية ملزمة لأفراد المجتمع دون المجتمع نفسه.
 على اعتبار أن كل فرد مسلم ملزم أمام الله بما فهمه من هذه النصوص، حسب وسعه العقلي، وأن الدولة هي الكيان الذي يعبر عن مصالح الجميع ورغباتهم، دون تمييز بين أفرادها على أي أساس غير موضوعي.
أما إذا علمنا أن النص التشريعي هو جزء من النص المحكم المحدود، وليس كل النص المحكم، وأن الجزء العقائدي من هذا النص المحكم لا يعد مشكلاً سياسياً حقيقياً عند العلمانية نفسها، فقد ضاقت دائرة المرجعية الدينية للدولة إلى أضيق الحدود، بحيث لا يبقى منها إلا النصوص القانونية الصريحة، وإلا المبادئ الأخلاقية العامة، المتوافقة مع المقاصد العامة للدين، وهي مبادئ ومقاصد إنسانية لا تجد العلمانية في رفضها حجة متينة.
وإن معظم النصوص القانونية القرآنية التي تثير النزاع بين العلمانية التقليدية والإسلام، هي من تلك النصوص التي تقبل التأويل وإعادة التفسير، وفق القواعد اللسانية المعتبرة لدى الجميع.
 وهو ما يعني أنها ستعد على الإجمال من قوانين الدولة، أما على التفصيل فإنها ستفضي إلى آراء مذهبية لا تلزم الدولة، إلا في حالة واحدة، إذا قررت الأغلبية المذهبية أن تجعل مذهبها - بحكم الديمقراطية - مرجعاً للدولة.
لكن هذا الاحتمال الأخير إذا حدث سيكون بشرط واحد متفق عليه، هو أن ينظر إلى هذه الآراء المذهبية على أنها قوانين مدنية لا أحكام دينية، بوصفها أثراً من آثار العقل البشري الذي لا ينتج القداسة. مما يعني أنها خاضعة - بحكم الديمقراطية أيضاً - للنقد والمراجعة والرفض، من قبل المعارضين على الأقل.
 وهنا سيكون الفصل بين الجيد والرديء من القوانين والمرجعيات مرهوناً بمستوى وعي الجماهير الناخبة، وعلى هذا سيجري الصراع الفكري بين النخب التنويرية والقوى الظلامية.
ومن بين تلك الخلافات التقليدية التي نقدر أن تختفي بين العلمانيين، والإسلاميين الراديكاليين، تلك الخلافات الناشبة حول بعض التشريعات الدينية التي تمس حقوق الإنسان، مثل: عقوبة المرتد، ورجم الزاني المحصن، وقطع يد السارق؛ لأن بعض هذه العقوبات (الردة ورجم الزاني المحصن) لم تقم على أساس علمي متين، ولم ترد بنص قطعي الدلالة والحجية والثبوت، ومن ثم فإنها - وفق الاعتبارات التي قدمنا - لا تعد جزءاً من الدين، وإنما هي جزء من التراث المذهبي الذي لا يلزم الدولة في شيء.
أما عقوبة قطع يد السارق، فهي - على الإجمال - عقوبة ملزمة؛ لكونها وردت بدليل قطعي الحجية والثبوت، هو النص القرآني.
 إلا أنها عند التفصيل ستفضي بنا إلى رأي مذهبي، إذا ما تبين لنا أن نص هذه العقوبة يقبل التأويل والتخريج على أكثر من وجه، وهو ما أثبته كاتب هذه السطور - على الأقل - في مناسبات سابقة قبل سنوات.
 مما يعني أن الآراء المختلفة في تأويل هذا النص لن تكون جزءاً من الدين، ومن ثم فلن تكون جزءاً من المرجعية الدينية للدولة الإسلامية، ومن حق المشرع في هذه الحالة أن يختار ما يراه مناسباً من الآراء عند التقنين لعقوبة السرقة، بشرط أن يعترف بكون الرأي الذي سيتحول إلى قانون جماعي، جزءاً من القانون المدني، لا جزءاً من الدين.
نخلص من كل ما مضى إلى تقرير حقيقة واضحة يشعر بها الجميع، وإن كان البعض يعجز عن التعبير عنها في بعض الأحيان.. هذه الحقيقة تقول: إن الدين هو النص السماوي المتفق على حجيته وثبوته فقط، وإن التدين هو الحالة الفردية لتطبيق هذا الدين، أما الدولة فهي كيان اعتباري لا دين له، لكنه كيان قانوني، من حق الأغلبية الثابتة أن تشكله بما لا يتعارض مع الحقوق الطبيعية للإنسان.
وهذا ليس منطق الديمقراطية وحسب، ولكنه منطق الإسلام نفسه؛ لأن الإسلام - بعد استبعاد خرافة حد الردة - لن يختلف عن الديمقراطية في أية مسألة جوهرية؛ إذ إن حرية الاعتقاد والتدين المكفولة بنص قطعي في القرآن الكريم تعطي الفرد والجماعة كامل الحقوق التي تعطيها له الديمقراطية، بل وترتفع بها إلى مستوى الواجبات.. هذا على مستوى الحياة الدنيا، أما على مستوى الحياة الأخرى فإن الحساب سيكون فردياً على قدر وسع الإنسان من الفهم والصدق.
تلك هي الصيغة الإجمالية لمفهوم العلمانية الثالثة كما نقترحها للمجتمعات الإسلامية، نضمها إلى رأينا في حقيقة موقف الإسلام من منصبي الخلافة والإمامة، الذي نشرناه على صفحات (الجمهورية) في وقت سابق، في مقال بعنوان “الإمامة والخلافة والوهم”، وأثبتنا فيه بأدلة واضحة أن منصب الإمامة أو الخلافة ليس منصباً دينياً، وأنه لا القرآن ولا رسول القرآن أعطيا منصب الرياسة ونظام الحكم اهتماماً يذكر.
 مما يعني أننا أمام حالة من العلمانية الإسلامية لا يستطيع المتنطعون إنكارها إلا على سبيل المكابرة والتمحل.
إن سرّ قوة هذه الأطروحة أمام رجل الدين، المعارض الافتراضي، هو في أنها جاءت وفق التقاليد الأصولية المعتبرة لديه، وفي مذهبه، وأي إنكار لها هو إنكار لتك التقاليد، أو إنكار لصحة تطبيقها، وهو في الحالة الأولى مغامر متهور، وفي الحالة الأخرى مجرد مخالف في تطبيق المنهج، وما أكثر الخلاف والمخالفين