‏إظهار الرسائل ذات التسميات عصام القيسي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات عصام القيسي. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 2 فبراير 2016

مشكلة الإلحاد والعلم..!


§        عصام القيسي

تشهد العقود الأخيرة موجة جديدة من موجات الإلحاد في المجتمعات الإسلامية، تشبه إلى حد ما تلك التي حدثت في النصف الأول من القرن العشرين، في أوساط المثقفين الذين أصابتهم صدمة الحضارة الغربية الحديثة. في تلك الموجة غمرت مياه الشك قطاعاً واسعاً من المثقفين النابهين، وجرفت بعضهم إلى بحر الإلحاد. فظهرت أسماء كانت لامعة في حينها تعلن شكها وإنكارها الصريح للدين والإله، مثل المفكر السعودي عبد الله القصيمي، الذي بدأ حياته الفكرية بالدفاع عن المذهب الوهابي، وانتهت بسلسلة من كتب الشك والإلحاد. ومثله عالم الرياضيات اسماعيل أدهم الذي أعلن إلحاده في كتاب بعنوان "لماذا أنا ملحد؟"، متأثراً – ربما - بكتاب برتراند راسل "لماذا أنا لست مسيحياً؟". والشاعر العراقي معروف الرصافي صاحب كتاب "الشخصية المحمدية"، الذي اعتبر محمداً أحد الأذكياء المصلحين لا أحد الأنبياء المرسلين. وأبكار السقاف صاحبة كتاب "الدين في شبه الجزيرة العربية"، الذي حملت فيه على النبي محمد بقسوة لم تستطع إخفاءها، حتى جعلت منه قاطع طريق وزير نساء!.

ولا نكاد نجد اسماً لامعاً في مجالي الفكر والأدب – آنذاك – لم يصبه بلل الشك والإنكار. بعض هؤلاء أصبح له فيما بعد صولة وجولة في الدفاع عن الدين والإيمان، كعباس العقاد الذي قال فيه محمد الغزالي إنه أهم من دافع عن الإسلام في العصر الحديث. هذا العقاد نفسه كان في مرحلة متقدمة من حياته يحلف قائلاً "والله الذي لا وجود له"، حسب رواية رجاء النقاش عن مكرم عبيد، زميل العقاد وخصمه في حزب الوفد (1). بل إن أنيس منصور يضعنا في حالة حيرة وشك حينما يخبرنا، في كتابه الشهير "في صالون العقاد"، بأن هذا الأخير كانت تنتابه لحظات شك في المرحلة الأخيرة من حياته، حتى أنه كان يستخف بالوجود قائلاً: أعطوني العجينة الأولى وأنا أصنع لكم كوناً أعظم منه!. وهكذا كان الحال مع طه حسين (2)، وتوفيق الحكيم (3)، وزكي نجيب محمود (4)، ومجمل مثقفي اليسار العربي، من أمثال سلامة موسى ولويس عوض.

قد يميل بعضنا إلى تفسير ظاهرة الإلحاد تفسيراً نفسياً، لكن مهما تكن دوافع الموقف الإلحادي فإنه لا يستغني عن التأصيل العلمي لمقولاته. إذ هو عاجز عن الاكتفاء بمجرد الرفض والإنكار، ومطالب بتفسير الظاهرة الوجودية تفسيراً مناهضاً للتفسير الديني، ومن هنا تأتي حاجته الماسة إلى العلم. بل إن الكثير من الملحدين يظهرون كثيراً من الزهو بأنفسهم والثقة بقناعاتهم. ومصدر ذلك الزهو وتلك الثقة هو الاعتقاد بأن الإلحاد موقف علمي حرّ، يميز عقل صاحبه عن العقل الخرافي للمؤمن الساذج!.

والحق أن الإلحاد قد عاش أزهى أيامه في القرون الميلادية الثلاثة (17، 18 ، 19)، حيث اعتاش على معطيات العلوم الطبيعية والتجريبية لهذه القرون. فقد وجد الإلحاد بغيته في هذه العلوم لأنها كانت تتبنى المنظور المادي، وهو الأساس الفلسفي للإلحاد طوال الوقت. ولم يكن يخطر ببال أحد آنذاك أن يتغير منظور العلم من المنظور المادي المتصالح مع الإلحاد إلى المنظور فوق المادي المتصالح مع الدين. بل إن الكثير من الملحدين لم يدرك بعد هذه النقلة النوعية الخطيرة. لم يدرك أن المنظور العلمي لتلك القرون قد أصبح جزءاً من ماضي العلم وتراثه، وأن منظوراً جديداً قد حل محله بهدوء، منذ أن ظهرت نظرية النسبية لإنشتاين في العام 1905، وما تلاها من نظريات فيزيائية حديثة.

هذا التحول في المنظور العلمي هو الذي شغل كلاً من روبرت أغروس، أستاذ فلسفة العلم الكندي، وجورج ستانسيو، أستاذ الفيزياء النظرية الأمريكي، فأصدرا كتابهما الشائق "العلم في منظوره الجديد". الكتاب الذي وضع ألغاماً كثيرة في جيوب الإلحاد، وكشف عن الكيفية التي هدم بها العلم الحديث أركان المذهب المادي.
جاء في العرض الترويجي للكتاب: إنه بإزاء النظرية المادية للعلم في القرون الثلاثة سالفة الذكر "ظهرت في مطلع القرن العشرين نظرية علمية منافسة، كان من ألمع روادها أينشتاين، وهايزنبرغ، وبور، وغيرهم. وقد أجمعت آراء كبار علماء الفيزياء النووية، والكوزمولوجيا في هذا القرن على أن المادة ليست أزلية، وأن الكون في تطور وتمدد مستمرين، فدعوا إلى الإيمان بعقل أزلي الوجود يدبر هذا الكون ويرعى شئونه.

ثم جاء جيل آخر من العلماء المتخصصين في مبحث الأعصاب من أمثال شرنغتون، وأكلس، وسبري، فخلصوا بعد بحوث مضنية إلى أن الإنسان مكون من عنصرين جوهريين: جسدٌ فان وروح باقية لا ينالها الفناء، وأن الإدراك والتفكير ليس من صنع المادة، بل يؤثران تأثيراً مباشراً في العمليات الفسيولوجية ذاتها. وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية ظهرت حركة جديدة في علم النفس، اعترف روادها بالعقل، ورفضوا تفسير السلوك البشري بلغة الدوافع والغرائز الحيوانية، وآمنوا – بدلاً من ذلك – بالقيم الأخلاقية الجمالية، والجوانب الروحية والفكرية والنفسية" (5).

لا شك أن فلاسفة الإلحاد قد أصيبوا بخيبة أمل كبيرة في العلم، إذ في حين كانوا ينتظرون منه أن يعزز مواقفهم ضد الدين إذا به يطعنهم في الظهر ويقلب عليهم الطاولة. لكنهم مع ذلك لم يرفعوا الراية البيضاء، فقد ذهبوا يقللون من أهمية المعطيات التي قدمها علماء الفيزياء تحديداً، قائلين إنها لا تكفي في الدلالة على ما يطلبه المؤمنون. فحتى لو سلمنا بأن الكون حادث طارئ لم يكن له وجود قبل حوالي 13,7 مليار سنة كما تقولون، فإن هذا لا يعني بالضرورة أن الذي أوجده هو الله، إذ من المحتمل أن يكون قد تولد عن كون آخر قبله. بل من المحتمل أن يكون قد تولد عن العدم، لأن العدم نفسه "شيء" قديم لا أول له!. وهذه المماحكة ليست جديدة على الخطاب الإلحادي فهي عادة قديمة اضطر معها أحياناً لارتكاب حماقات لو ارتكبها الخطاب الإيماني لجعلوا منها نوادر تروى. مثل تلك الحماقة التي ارتكبها ديفيد هيوم في محاولة لإنقاذ مذهبه المادي من السقوط عندما أنكر وجود علاقة بين السبب والنتيجة!.

إن الموقف الإلحادي يدرك تماماً أن خسارته للذرائع العلمية ستصيبه في مقتل، وهو لذلك يحاول تعزيز نقاط قوته والتقليل من أهمية نقاط القوة لدى الطرف الآخر. وفي هذا السياق تأتي جهود عالم الأيثولوجيا البريطاني ريتشارد دوكنز. الذي يعد منظر الإلحاد الأول في العالم اليوم. وهي راية استلمها من زميل الوطن الفيلسوف والعالم البريطاني أنطوني فلو، بعد أن عاد هذا الأخير إلى حضيرة الإيمان في مفاجأة صادمة للأوساط العلمية قبل سنوات. فقد ظل فلو ينظّر للإلحاد قرابة ستين عاماً قبل أن يقف على منصة أحد المؤتمرات العلمية ليقول: أيها السادة، هناك إله!. وهو ما أثار استياء دوكنز الذي لم يجد تفسيراً لموقف فلو سوى كبر السن والخوف مما بعد الموت، وياله من تفسير علمي رصين!.

إن دوكنز يناضل في سبيل توفير المنطق العلمي الكافي لإثبات صحة الموقف الإلحادي، ولا يقلقه في سبيل ذلك أن يرتكب حماقات علمية كتلك التي ارتكبها في كتابه "وهم الإله" حيث زعم أن المصادفات - وفقاً لنظرية الاحتمالات الرياضية - يمكنها أن تصنع طائرة بوينغ 747، كما يمكنها أن تكتب رواية لشكسبير على يد مجموعة من القردة!. ومثل تلك المحاولة المضنية التي بذلها في كتابه "صانع الساعات الأعمى" لتأكيد نظرية النشوء والارتقاء. وهي النظرية الأساسية التي يتمسك بها الإلحاد في تفسير الحياة على وجه الخصوص. حيث يرى أن التكاثر مع وجود تباين وراثي وانتخاب طبيعي لا عشوائي – إذا أتيح له الزمن الكافي – فإنه يؤدي إلى نتائج تطورية في الحياة هي أبعد من الخيال. والزمن الكافي هنا يعني مليارات السنين التي تقترب من 4 مليار سنة مضت (6).

 وهي محاولة ناجحة بالفعل إذا صح شرطها المذكور، لكن أنى له أن يصح!. فحتى نظرية الاحتمالات الرياضية التي كانت بمثابة الجوكر في يد الإلحاد، لم تقدم لهم سوى خيبة أمل أخرى. ونظرية الاحتمالات (الصدف) كما يقول أحد العلماء الأمريكيين "ليست افتراضاً، وإنما هي نظرية رياضية عليا، وهي تطلق على الأمور التي لا تتوفر في بحثها معلومات قطعية، وهي تتضمن قوانين صارمة للتمييز بين الحق والباطل، وللتدقيق في إمكان وقوع حادث من نوع معين، وللوصول إلى نتيجة هي معرفة مدى إمكان وقوع ذلك الحادث عن طريق الصدفة"(7). فماذا تقول نظرية الاحتمالات الرياضية عن إمكانية حدوث الخلق بالصدفة المحضة يا ترى؟.

في معرض حديثه عن رحلته من الإلحاد إلى الإيمان يقول أنطوني فلو إنه التقى بالعالم جيرالد شرويدر الذي فند له "برهان القردة" القائم على حساب الاحتمالات (8). وهو البرهان الذي تمسك به دوكنز في "وهم الإله". وخلاصة هذا البرهان تقول إنه لو تركنا مجموعة من القردة تضرب على لوحة الحاسوب وقتا كافياً لأمكن لها أن تكتب قصيدة لشكسبير أو رواية من رواياته!. فما كان من شرويدر إلا أن أجرى التجربة بالفعل، فجمع ستة قرود في غرفة واحدة لمدة شهر، بعد أن علمها الضرب على لوحة الحاسوب، فماذا كانت النتيجة؟.. خمسون صفحة مطبوعة، ليس فيها كلمة واحدة صحيحة، حتى لو كانت هذه الكلمة من حرف واحد (أي من حرف قبله مسافة وبعده مسافة)، وعلى ضوء هذه النتيجة أجرى حساب الاحتمالات لكتابة سوناتا شكسبير مكونة من 488 حرفاً بنفس التجربة، فكان احتمال النجاح هو 1 مقسوم على 26 مضروبة في نفسها، أي ما يعادل 10 وعلى يمينها 690 صفراً، وهو رقم مهول لا تكفي فيه جسيمات الكون كله لإجراء هذا العدد من المحاولات، إذ أن عدد جسيمات الكون = 10 وعلى يمينها 80 صفرا فقط. ومعنى ذلك أننا سنحتاج إلى المزيد من الجسيمات بمقدار 10 وعلى يمينها 600 صفر!. أي ضعف الكون الموجود أكثر من سبع مرات.

ليس هذا فحسب، بل إن المختصين قد وضعوا للصدفة قانوناً يضبطها، فحددوا ما يعرف بـ"مقدار الاحتمال الملزم" الذي يستحيل بعده تفسير حدوث أمر ما بالصدفة وحدها، ويبلغ هذا الحد عندهم 1 : 10 وعلى يمينه 150 صفراً (9). وهذا يعني أن احتمال أن تكتب القردة قصيدة لشكسبير من أبعد المستحيلات، فما بالك بتكوين الخلية الحية عن طريق الصدفة المحضة. لقد أحال هذا الطرح "برهان القردة" إلى كومة من النفايات، حسب تعبير أنطوني فلو.

وليست هذه هي المرة الأولى التي جرب فيها حساب الاحتمالات لإثبات استحالة حدوث الخلق عن طريق المصادفة. فقد أجرى عدد من علماء القرن الماضي تجارب مماثلة وانتهوا إلى النتيجة نفسها. منهم الرياضي السويسري الشهير تشارلز بوجين جواي، الذي حاول استخراج المدة الكافية لإيجاد "الجزيء البروتيني" عن طريق المصادفة، والبروفيسور ج. ب. ليتز، الذي أجرى محاولة شبيهة حول سلاسل الأحماض الأمينية المكونة لجزيء البروتين، فكانت النتيجة لديهما هي الاستحالة التامة. كما أكد العالم الفرنسي "الكونت دي نواي" على أن مقادير الوقت، وكمية المادة، والفضاء اللانهائي، التي يتطلبها حدوث مثل هذا الإمكان هي أكثر بكثير من المادة والفضاء الموجودين الآن. وأكثر من الوقت الذي استغرقه نمو الحياة على ظهر الأرض، ويرى أن حجم هذه المقادير التي سنحتاج إليها في عمليتنا لا يمكن تخيله أو تخطيطه في حدود العقل الذي يتمتع به الإنسان المعاصر، فلأجل وقوع حادث على وجه الصدفة – من النوع الذي ندعيه – سوف نحتاج كوناً يسير الضوء في دائرته ما يعادل 10 وإلى جانبها 82 صفراً من السنين الضوئية!. وبتعبير طريف يقول عالم الأعضاء الأمريكي مارلين كريدر: إن الإمكان الرياضي في توفر العلل اللازمة للخلق عن طريق الصدفة في نسبها الصحيحة هو ما يقرب من "لا شيء"! (10).

إن هذه النتائج تجعل من المناسب أن نختم هذا المقال بعبارة بيتر كريفت، أستاذ الفلسفة بجامعة بريغر حيث قال: وجود الإله لا يتطلب إيماناً أعمى بلا دليل – كما يزعم الملحدون - الإلحاد هو الذي يتطلب إيماناً أعمى. تحتاج إيماناً أعمى لتؤمن أن كل شيء جاء من لا شيء، لكنك تحتاج عقلاً وفكراً لتؤمن بأن كل شيء جاء من الله!.

هامش:
(1)   : عباس العقاد بين اليمين واليسار – رجاء النقاش.
(2)   : ظهرت علاماته في كتاب: الشعر الجاهلي.
(3)   : حسب شهادته في كتاب: مصر بين عهدين.
(4)   : في كتابه: خرافة الميتافيزيقا.
(5)   : العلم في منظوره الجديد – سلسلة عالم المعرفة.
(6)   : الجديد في الانتخاب الطبيعي – ريتشاردز دوكينز – ت: مصطفى فهمي.
(7)   : الإسلام يتحدى – وحيد الدين خان.
(8)   : رحلة عقل – عمرو شريف.
(9)   : رحلة عقل – عمرو شريف.
(10)  : الإسلام يتحدى – وحيد الدين خان.

الاثنين، 28 ديسمبر 2015

فلسفة الاصطفاء والوسطية


(فقرة من كتاب تحت الطبع بعنوان "الإنجيل الخامس").
عصام القيسي

................... ............. ......... ........... ......... ....... ..........
لم يكن في وسع اللغة ولا في وسع بني إسرائيل آنذاك، استيعاب الفلسفة التي تقف وراء اختيارهم لهذه المهمة من دون الناس، ووراء هذه العناية الإلهية التي رافقتهم منذ ظهور موسى. وكل ما يستطيع عقل بسيط كالعقل الإسرائيلي آنذاك أن يستوعبه هو أن شيئاً ما مميزاً في جيناتهم هو الذي جعلهم أهلاً لهذا الشرف، فلا بد أنهم عرق خاص بين الأعراق، له – بالضرورة – أقداره الخاصة.

ولو أن موسى كان أستاذاً في الفلسفة الحديثة لحدثهم عن الخصائص التاريخية الموضوعية التي جعلتهم – دون غيرهم – محل اختيار الله لهذه المهمة. الخصائص التي كان من السهل أن تتوفر في شعب آخر سواهم لو أنه مر بنفس الظروف والملابسات التي مروا بها. لأخبرهم - مثلاً - أن حكمة الله الحكيم الخبير قد اقتضت أن يصطفي من بين مناطق الجغرافيا منطقة محددة، هي الشرق الأوسط، ومن بين قبائلها قبيلة إبراهيم بن آزر الكلداني، لسبب يتعلق بوسطية هذه القبيلة كما سنبين بعد قليل، وليس لأن سلالة إبراهيم ذات خصوصية عرقية، كما يتصور العقل الساذج، والضمير الشيطاني.

إنها "الوسطية" بأبعادها الجغرافية والنفسية والذهنية والحضارية. وسطية الجغرافيا التي لا بد أن تفرض أنماطاً وسيطة في الحياة العقلية والروحية لقاطنيها. فكما أن لسكان المناطق الباردة خصائصهم النفسية والذهنية المميزة عن خصائص سكان المناطق الحارة، كذلك لسكان المناطق الوسيطة خصائصهم الذهنية والنفسية والثقافية، التي رأى العليم الخبير أنها أصلح لحمل رسالة التوحيد من غيرها و"الله أعلم حيث يجعل رسالته" (الأنعام 124). وعلى سبيل الاختزال يمكننا القول إن الإنسان الوسيط بين الحضارة والبداءة يمتص أحسن ما في هذين النقيضين، ويدع أسوأ ما فيهما.

 لقد كانت الأقوام السامية في شمال الجزيرة العربية تتمتع بموقع جغرافي متوسط بين عدد من الحضارات المحيطة بها من جهة، وبين قبائل الأعراب البدائيين المنقطعين في مجاهل الصحراء العربية من جهة أخرى. فسومر وبابل والفرس في الشرق، والآشوريون والحثيون في الشمال، والمصريون في الغرب والدويلات اليمنية في الجنوب والبدو والأعراب في الوسط. وفي مقدمة هذه القبائل الوسيطة قبيلة إبراهيم بن آزر الكلداني، التي استوطنت أور كلدان جنوب بلاد الرافدين قرابة العام 1800 ق.م. ويبدو أن الأصول الأولى لهذه القبيلة تعود إلى حران في جنوب تركيا، بدليل رحلاتهم المتكررة إليها من أجل الزواج كما تدل شواهد التوراة. والتوراة نفسها دليل كاف على أن هذه القبيلة لم تستقر طويلاً في أي منطقة سكنتها، ولم تندمج اندماجاً كاملاً في أي مجتمع حضاري نزلت عليه.

لكن على الرغم من كونها قبيلة مترحلة، عابرة للحدود والمجتمعات، إلا أنها لم تكن قبيلة بدائية غارقة في البداوة والسذاجة، فقد ساعدتها الظروف والملابسات على الاحتكاك بالمجتمعين النقيضين من حولها، مجتمع الحضارة ومجتمع البداءة (الأعراب). ولعل اشتغال هذه القبيلة بالتجارة ومرورها بطريق القوافل هو الذي ساعدها على ذلك. ولعله السبب نفسه الذي هيأ مكة فيما بعد لاستقبال الرسالة الخاتمة، ولعل هذا أيضاً هو أحد معاني "لإيلاف قريش، إيلافهم رحلة الشتاء والصيف". وهنا يحضر السؤال المركزي لهذه الفقرة: ما الخصائص التي تجعل من القبائل الوسيطة أكثر أهلية لحمل رسالة التوحيد من غيرها؟ ولماذا؟.

 إن التحليل المقارن للعقول الثلاثة (المتحضر والوسيط والبدائي) يمكنه أن يضعنا أمام صورة تقريبية لما نريد قوله. فعلى مستوى العقل: يبدو العقل المتحضر آنذاك واقعاً تحت سلطان الأسطورة. والأسطورة بناء ذهني فني ورمزي مركب، لا يقدر على إنتاجه العقل البدائي ولا العقل الوسيط. وفي المقابل هناك العقل البدائي الواقع تحت سلطان الخرافة، وهي بناء ذهني ساذج بسيط، لا يليق بسمو العقل المتحضر، ولا يهيمن على العقل الوسيط هيمنة تفقده اتزانه. ويبدو العقل الوسيط بينهما متحرراً من سلطة هاتين الآفتين اللتين تمنعانه من تصور مفهوم الوحدانية النقي.

وعلى المستوى النفسي والأخلاقي: تبدو السيكولوجيا الوسطية ملائمة أكثر من غيرها لمهمة ثقيلة كمهمة حمل رسالة التوحيد، في عالم يكتظ بالأديان والعقائد الشركية والوثنية. إذ يبدو الإنسان الوسيط أطول نفساً من الإنسان البدائي المتصحر، الذي يتسم بالنزق واستعجال الثمار قبل أوانها. كما أنه يبدو أكثر صلابة في الحفاظ على ميراثه من الإنسان المتحضر، الذي يميل إلى المهادنة والتفاوض والحلول الوسطى بين الحق والباطل والصواب والخطأ، ويقدم التسعة والتسعين ليكسب المائة.

وقد أشار القرآن إلى مفهوم الوسطية هذا إشارة سريعة لم يلتقطها من مثقفينا – حسب علمي – سوى الأستاذ العقاد. فقد توقف في كتابه الثري "إبراهيم أبو الأنبياء" عند هذا السؤال المهم: "لم اختص الله الأمم السامية بالرسالات النبوية؟ لم لم تظهر هذه الرسالات في الهند أو في الصين أو في القارة الأوروبية؟ لم كانت هذه الرسالات هي الدور الذي تهيأت له أمة واحدة في وسط العالم: أمة وسطا كما نعتها القرآن؟".

ثم شرع العقاد في الإجابة على هذا السؤال في سطور عديدة بدأها بالقول: "تلك أسئلة غامضة تظل على غموضها، حتى ننظر في الأحوال النفسية التي يكون عليها الإنسان بين الحضارة والبداوة، ولا تهيئة لهذه الحضارة على انفراد، ولا البداوة على انفراد، بل لا بد فيها من التقاء الشعورين وامتزاج المجتمعين، ولم يحدث قط أنهما التقيا وامتزجا على هذا النحو في غير البلاد التي قامت عليها الحضارات الأولى، وظلت زمناً طويلاً جامعة بين الصحراء والمدنية والأقطار المتحضرة، كأنها خلقت للنهوض بهذه الأمانة، ثم نهضت بها ونشرتها في جميع أنحاء العالم، فهي دورها الأكبر بين سائر الأدوار التي توزعتها الأمم والعصور".

ثم يربط العقاد بين الوسطية والاشتغال في التجارة بسؤال أكثر تحديداً هو: لماذا كانت مدن القوافل أو المدن القريبة من الصحراء، أصلح البلاد للرسالة النبوية؟" ويقدم بين يدي الإجابة المفصلة إجابة مختصرة تقول: "إنها صلحت لذلك لأن الأحوال النفسية التي تتوافر فيها لا تتوافر في في حضارة العمران المتصل ولا تتوافر في الصحراء المنعزلة، ولا تتم أسبابها الحسنة ولا أسبابها السيئة في بيئة أخرى كما تتم في المدينة حولها الصحراء".

ويفصل العقاد رأيه هذا في سطور طويلة مفادها أن البلدان التي اتصلت حضارتها (لم تنقطع) تعطينا المشرعين والكهان ولا تعطينا الأنبياء والرسل. ذلك أن سريان العرف، وترقي العادات الاجتماعية، واستقرار نظام القانون والمعاملة، تؤهل أهل هذه البلدان لاستيعاب العقائد بصورة أفضل، وفي مقدمتها عقيدة التوحيد التي من المتوقع أن تكون هذه الحضارات قد عرفتها منذ أن كانت في طور البداوة، إلا أن الدين في هذه المجتمعات يؤول إلى سلطة الكهنة. إذ أن سلطة الكهنة – والكلام للكاتب – يكون راسخاً فيه أكثر من سلطان الملوك أنفسهم في كثير من الأحيان. وما تجربة أخناتون إلا مثال نموذجي لهذه الحقيقة، فقد أراد هذا الملك أن يفرض عقيدة التوحيد التي آمن بها فرضاً على الناس، وأن يجعلها دين الدولة الرسمي، وكانت النتيجة فشلاً ذريعاً، دفع ثمنه بقية الموحدين في مصر لمئات من السنين بعده. لقد وقف في وجه كهنة آمون بسيف الدولة فوقف له الكهنة بسيف الشعب.. والشعب غالب لا محالة في مثل هذه المواجهات!.

فليس من السهل على الأنبياء مواجهة سلطان الكهنة في البلاد المتقدمة – ومثلهم الفلاسفة - بخبراتهم العريقة في توجيه العوام والتشويش على الحقيقة وإثارة الشغب وحماية مصالحهم من تهديد المتطفلين!. ولك أن تتخيل أن نبياً قد بعث في اليونان في عصر السفسطائيين مثلاً، كيف سيكون حاله؟!. إنه بالتأكيد سيقضي معظم الوقت، لا في الدعوة إلى رسالته، وإنما في الإجابة عن الأسئلة والمعضلات المطروحة عليه!. وحتى لو أجاد الطريقة الفلسفية في الجدل فإنه سيقضي معظم وقته في محاولة إزاحة ركام الشبهات الذي غيب الحقيقة البسيطة تحته. وتلك كلفة كبيرة وجدوى قليلة.

والتاريخ يضرب لنا الأمثال في كيفية تأثير الثقافة المركبة للمجتمعات المتحضرة على عقيدة التوحيد البسيطة الواضحة. من أوضحها لدينا نحن المسلمين تأثير العقل الفارسي في الفكر الإسلامي. فقد خرج الإسلام من جزيرة العرب عقيدة واضحة بسيطة كوضوح الصحراء وبساطتها، وعاد من فارس عقيدة مركبة مشوشة، مكونة من عناصر أسطورية تختبئ في يرقاتها عبادة الملوك وتقديس السلالة التي عرفتها الثقافة الفارسية. خرج من مكة إسلاماً ليبرالياً يعطي الفرد مساحة واسعة من حرية العقل والضمير، وعاد من فارس إسلاماً غنوصياً مقيداً بذيل الإمام والمرجع والطائفة. خرج من مكة وهو قانون في الضمير والأخلاق وعاد من فارس وهو قانون في السياسة والصراع الاجتماعي والنفسي.

ذلك بالنسبة للمجتمعات المتحضرة فماذا عن المجتمعات البدائية (يسميها العقاد بدوية)؟.
تبدو المجتمعات البدائية القاطنة في مجاهل الغابات والصحاري، المنقطعة عن التواصل الحضاري والثقافي، فاقدة للحد الضروري من الاستعدادات الذهنية والنفسية والمادية للقيام بدور الشهادة على الناس. فالأعرابي الجهول النزق الباحث عن ما يسد رمقه، المتصف باللؤم والانتهازية، ليس مهيئاً ولا جديراً بالقيام بمثل هذا الدور الكبير. ولعل هذا معنى الآية: "الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم" (التوبة 97). ومثل هذا الأعرابي - بل أبعد منه - ذلك الإنسان البدائي في غياهب الغابات الأفريقية، حيث تعيش الخرافة في أدنى أشكالها البدائية. وهذا لا يعني - بالطبع - أن هذه الأمم عاجزة تماماً عن استيعاب فكرة الدين والتوحيد، أو أنها ظلت طوال الوقت منقطعة عن الاتصال بالسماء، كما توحي بذلك الدراسات الأنثروبولوجية البدائية، التي على شاكلة "الغصن الذهبي" لـ جيمس فريزر. وإنما نعني أنها غير مؤهلة للقيام بدور الوسيط الناجح في نشر الرسالة ذات الطابع الحضاري والثقافي الأكثر رقياً وتركيباً، وهو ما يسميه القرآن بـ "الشهادة على الناس": "لتكونوا شهداء على الناس" (البقرة 143).

إذن فقد كان موسى يدرك – بحكمة النبي أو بخبر الوحي – أن لدى العقل الإسرائيلي قابلية كبيرة للوقوع في فخ التفسير العنصري للمسألة، وليس مستبعداً أن يأتي اليوم الذي يقول فيه الإسرائيليون لأنفسهم ولغيرهم "نحن شعب الله المختار، نحن أبناء الله وأحباؤه"!. وقطعاً لدابر هذه النتيجة ألقى عليهم موسى منذ البداية النبأ الذي سيؤرقهم ويعكر حياتهم لمئات من السنين القادمة. النبأ الذي سيكون سبب اجتثاثهم من الأرض المقدسة وتدمير هيكلهم الثالث والأخير كما سيتضح في سطور قادمة. لقد أخبرهم موسى أن الله العليم قد اطلع على أحوالهم في المستقبل فعلم أنهم سيخذلون عقيدة التوحيد وسيتورطون في الشرك وعبادة الأصنام ويقعون في خطيئة الكذب على الله، وأنه سيجازيهم على هذه الخطايا بأن ينزع عنهم شرف رسالة التوحيد ويعطيه لقوم آخرين وصفهم سفر التثنية بأنهم "قوم جهلاء" (التثنية: 32: 21) وأن الله سيبعث من هؤلاء الجهلة (الأميين) نبياً بمواصفات موسى يكون "حجر الزاوية" في بناء النبوة (أي خاتم الأنبياء)!. ................... ............. ......... ........... ......... ....... .......... 

كتاب عودة العقل (تحميل)


جزء من مقدمة الكتاب:

|يضم الكتاب مجموعة منتقاة من مقالاتي التي نشرت خلال الأعوام الماضية، يجمع بينها هم واحد هو هم تحرير العقل العربي عامة والعقل اليمني على وجه الخصوص من مسلماته الزائفة، وأدواته العقيمة، اللاتي أثقلت كاهله وأحبطت مسيرته باتجاه البناء والتنمية. وقد جاء الكتاب تلبية لرغبة بعض القراء والأصدقاء الذين أشاروا علي بضرورة جمع ما تفرق من أفكار ومقالات بين دفتي كتاب يسهل الوصول إليه. العنوان يحمل دعوة لإعادة تمكين العقل - الذي هو قرين النقد والإبداع ونقيض النقل والاتباع - في حياتنا. وهو يحاكي عنوانين للأستاذ توفيق الحكيم، الأول "عودة الروح" الذي يعد باكورة أعماله، والآخر عودة الوعي، الذي يعد أشهر أعماله السياسية .................... ............. ......... ........... ......... ....... ..........

  يمكنكم تحميل الكتاب من هنا أو بالنقر على هذا الرابط:  goo.gl/MlTjRr .

الاثنين، 30 يونيو 2014

الخلافة والإمامة والوهم (3/3)

نشر في صحيفة الجمهورية - عدد الأربعاء 15 فبراير-شباط 2012

سبق وقلنا: إن الإمامة والرياسة والحكومة من ضرورات الاجتماع لا من ضرورات الدين، وفي هذا رد على دليل آخر للقائلين بوجوب هذه المناصب وجوبا دينيا، هو دليل العقل. وإن كان دليل العقل عند أهل السنة يقع في منزلة متأخرة عن منزلة الإجماع، إلا أنه عند الشيعة الإمامية عمدة أدلتهم في إثبات الإمامة الإلهية لأئمتهم المعصومين، وإثبات وجود المهدي المنتظر، صاحب الزمان وحجة الله على خلقه!. بدعوى أن العقل قد دل على أن الله سبحانه وتعالى لا يجوز عليه أن يترك الخلق بلا هداة مهديين، وإلا وقعوا في الضلالة.. وفي هذا الطرح عجائب كثيرة، سمها إن شئت تناقضات، أو سمها إن شئت تجليات الصناعة اليدوية للعقائد الدينية!.

1 - فهم من ناحية يقولون: إن الإمام المعصوم ضرورة دينية، وأن العقل وحده لا يغني عن وجوده. فإذا سألتهم: من أخبركم بذلك؟ قالوا: العقل..!. إذن فإن العقل هنا مقدم على الإمام، وهو الأصل الذي يرجع إليه في إثبات الإمامة والولاية والمهدوية، وكل العقائد الشيعية الخاصة؟ فكيف لا يكون هذا الأصل _ وهو بهذه المنزلة عندكم _ بديلا عن الإمام؟!. كيف يكون العقل حجة في إثبات الأصول لديكم ولا يكون حجة في فهم الفروع والجزئيات، التي زعمتم أنها من وظائف الإمام؟!.

2 - ولا ندري لماذا دل العقل على وجوب الإمامة الإلهية عندكم وحدكم، ولم يدل غيركم على هذه الضرورة العقلية؟!. وكيف تعد الإمامة من الضرورات العقلية، بالرغم من أن معظم الخلق لا يقولون بها؟!. ولمن لا يعرف معنى الضرورة العقلية، نقول: هي ذلك النوع من الأحكام التي لا يختلف عليها اثنان في هذه الدنيا. فقولنا: إن 2 + 2 = 4 هو من الضرورات العقلية، وقولنا: إن الجزء أصغر من الكل، أو استحالة أن يكون الشيء موجوداً وغير موجود في الوقت نفسه، هي من الأحكام الضرورية في العقل، والمناطقة يقولون: إن هذا النوع من الأدلة أقوى من الأدلة الحسية نفسها، لأنه لا يحتمل الشك مطلقا. فهل مقولة الإمامة أو المهدوية من جنس هذه الأحكام؟. لا أظن أحدا لديه عقل يجرؤ على الإجابة بنعم.

3 - ثم إن إخواننا الشيعة لم يخبرونا حتى الآن، لماذا ترك الله خلقه بلا إمام منذ القرن الرابع الهجري؟. ولماذا قد يطول به الغياب آلافا من السنين القادمة؟!. أو ما فائدة مجيئه بعد ذلك، وقد ذهب معظم الخلق في غيبته؟!. بل ما جدوى اليوم الآخر نفسه ما دام المنتظر الحجة سيحقق العدل كله والخير كله في الدنيا، كما يقولون؟!. بل ما قيمة أن يتحقق هذا العدل وذاك الخير في آخر الزمان، بعد أن ذهبت معظم أجيال الإنسانية إلى الموت، دون أن تكحل عينيها برؤية هذا الفردوس الأرضي العظيم؟!. هل آخر أجيال الإنسانية أحب إلى الله من أولها وأوسطها وجزء كبير من آخرها، حتى يمنحها هذه الميزة؟!.

4 - وبجانب هذا كله، لم يخبرونا ما الشيء النوعي المميز الذي حققه أئمتهم الذين مضوا للناس، ولم يستطع غيرهم تحقيقه، وهم الأئمة المعينون من قبل الله تعالى!. لقد مضى منهم أحد عشر إماما (عند الأثني عشرية) من مجموع إثني عشر إماما، فهل اختلف فقههم جوهريا عن فقه أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي؟. وهل كانت لهم فلسفة في مستوى فلسفة أرسطو وأفلاطون وكانط وغيرهم من البشر العاديين؟. وما طبيعة الهداية التي حققوها لمجتمعاتهم آنذاك بصورة نوعية لم تتحقق عند المجتمعات الأخرى؟. لماذا لم يستطيعوا _وهم الأئمة المختارون من قبل الله_ أن يكشفوا عن أسرار القرآن الكريم، وفي مقدمتها أسرار الحروف المقطعة في أوائل السور على سبيل المثال؟. وغيرها من الأسئلة التي لن يجدوا لها جوابا شافيا إلا عند مخترعي هذه الأفكار أنفسهم..!

إن تاريخ الإمامة السياسية الدينية عند الفرق الشيعية جميعا (الاثني عشرية، والسبعية، والزيدية) بعد القرن الأول الهجري، يكشف عن نوعين من الأئمة على الأقل: النوع الأول، أئمة فقه ودين لم يمارسوا السلطان السياسي بأي صورة من الصور، ومعظم هؤلاء من الفقهاء الصالحين، الذين لم يضيفوا إلى حياة الناس شيئا جوهريا، ولا حققوا في مجتمعاتهم نقلة نوعية تميزهم عن غيرهم من فقهاء المسلمين. والنوع الآخر، أئمة فقه وحكام دول ساروا في الناس سيرة غيرهم من الحكام، فكان منهم العادل الزاهد، وكان فيهم الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا، وكان فيهم الظالم الجهول، والسفاح المبين. والصالحون فيهم لم يكونوا شيئا مميزا بين الخلق. بحيث يمكن القول: إن الله الحكيم قد اختارهم بطريقة ما دون غيرهم من الناس.
ولا يحتاج المرء لأكثر من شهادة التاريخ في الحكم بزيف دعوى الإمامة السياسية الدينية بكل أشكالها. مرددين مع المعري أبياته الشهيرة:
زعم الناس أن يقوم إمام ناطق في الكتيبة الخرساء..
كذب الزعم لا إمام سوى العقل مشيراً في صبحه والمساء..
أما قولهم: إن العقل وحده، بزمالة القرآن الكريم، لا يكفيان لهداية الإنسان، فهو كلام يصدق عليه بيت المعري الآخر:
هذا كلام له خبيء معناه ليست لنا عقولُ.!..
فقد صنع العقل من المعجزات ما لم يصنعه الأنبياء، فما بالك بالأئمة المفترى على بعضهم، والأئمة المفترين على بعضنا..!.

الخلافة والإمامة والوهم (2/3)

نشر في صحيفة الجمهورية - عدد الثلاثاء 14 فبراير-شباط 2012

قلنا إن القائلين بوجوب منصب الإمامة / الخلافة يحتجون بدليل الإجماع، بعد أن افتقدوا دليل النص. وكان الشيخ عبد الرازق قد بدد هذا الدليل بسهولة حين ذكرهم بأن فرقة من الخوارج (النجدات) والأصم من علماء المعتزلة، قد خرموا هذا الإجماع المزعوم. وهذا وحده كاف لاستبعاده من دائرة الاحتجاج عند من يؤمن بحجية الإجماع. وقد كان عبد الرازق لينا مع خصومه إلى حد كبير، إذ اعترف لهم بحجية الإجماع كدليل شرعي، واكتفى بنفي وقوعه في هذه المسألة، مع أنه سيد العارفين بأن مقولة الإجماع برمتها تعد واحدة من أشهر خرافات الوسط العلمي. وما كان ينبغي لعبد الرازق ولا لغيره، أن يسلموا ابتداء بحجية مثل هذا الدليل، وإدراجه ضمن الأدلة الشرعية الكبرى. وذلك لاعتبارات كثيرة، أبرزها عدم وجود نص قطعي من الكتاب في اعتبار الإجماع حجة شرعية ملزمة. وكل ما ورد في هذا الباب من استدلالات لا يصلح لشيء، بدليل أنه لا توجد آية واحدة اتفق الأصوليون والمفسرون على كونها قاطعة في حجية الإجماع.

وإن أشهر ما يستدلون به قوله تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء: 115]. وكان أول من استدل بها على حجية الإجماع هو الإمام الشافعي كما يقول السبكي، وهو استدلال رده عليه كثير من الأصوليين، بمن فيهم الإمام الغزالي، والسبكي نفسه، وهما من أئمة المذهب الشافعي!، على اعتبار أن المقصود بعبارة “سبيل المؤمنين” في الآية هو الإيمان نفسه لا الإجماع. ومما يجدر التوقف عنده رواية السبكي التي أشرنا إليها سلفا، إذ وردت فيها معلومتان ذواتا دلالات خطيرة. تقول الرواية إن الشافعي هو أول من استدل على حجية الإجماع بهذه الآية، وإن الشافعي عكف على المصحف ثلاثة أيام للبحث عن دليل في حجية الإجماع حتى استخرجها. ومن معاني ذلك أن مسألة الإجماع قبل الشافعي لم تكن مطروحة، أو أنها لم تكن ذات أهمية خاصة، وإلا فما معنى أن يكون هو أول من استخرج لها دليلا من القرآن؟!. كما أن من معانيها أن الشافعي كان يدخل على القرآن بمقررات مسبقة يبحث لها عن مؤيدات، لا أنه يأخذ مقرراته من القرآن ابتداء!. والحقيقة أن هذه العادة ليست غريبة على الإمام الشافعي فقد لمسناها عنده في أكثر من مسألة.

ومن المعلوم في الدرس الأصولي أن مسألة الإجماع من المسائل التي اختلف الفقهاء في كل تفصيلة من تفصيلاتها، فلم يجمعوا على أمر واحد من أمورها، حتى صح عليها القول: إن الإجماع نفسه بحاجة إلى إجماع. ولمن أراد تفصيل هذه الحقيقة والتأكد منها أن يرجع إلى كتاب “الإجماع في الشريعة الإسلامية” للشيخ علي عبد الرازق نفسه، أو إلى الخلاصة المركزة التي سجلها شيخ الأزهر السابق محمود شلتوت في كتابه الشهير “الإسلام عقيدة وشريعة”. وإن من يطلع على هذه المراجع ليعجب أشد العجب كيف أن الفقهاء، أو غالبيتهم، ما زالوا يؤمنون بحجية الإجماع، بدلا من الدعوة إلى استبعاد هذا الدليل من دائرة التشريع برمته!. لولا غياب الحساسية المنهجية عند أغلب من يتصدى لأمور الدين والعلم في القديم والحديث. فما بالك بحساسية التوحيد التي كان ينبغي أن تستيقظ فيهم، إذا ما علمنا أن مقولة الإجماع تفتح بابا خفيا للشرك، حين تسمح للبشر أن يضيفوا إلى دائرة الدين المقدس ما أجمعوا عليه بفهمهم!. ومع كل إجماع جديد يضاف إلى الشرع، تتهاوى في الأذهان مقاصد قول الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا.. [المائدة: 3].. إذ كيف يكون الدين قد اكتمل بوجود الرسول (ص) وباب الإضافة ما زال مفتوحا باسم حجية الإجماع؟!.

أما ما لم يتنبه له الخائضون في مسألة وجوب منصب الإمامة / الرئاسة _ بما فيهم عبد الرازق نفسه _ فهو الخلط بين الإجماع بوصفه حالة دينية والإجماع بوصفه ضرورة اجتماعية. فمن البدهي أن الدولة والحكومة والرياسة من الضرورات الاجتماعية التي لا تقوم حياة الناس إلا بها على وجه العموم. وما كانت هذه حالته فلا يحتاج إلى نص ديني أصلا. وهاهي أمم الأرض جميعا، بمختلف أديانها وأعراقها وظروفها، تقيم الدول والحكومات والرؤساء بدافع ضرورات الاجتماع، لا بدافع الدين. وهذا تحديدا هو دافع الصحابة بعد وفاة النبي (ص) من تنصيب خليفة له. وما كان حديثهم في السقيفة وما بعدها إلا حديث سياسة مدنية بحتة. وما ظهرت أحاديث الإمامة والسياسة إلا في وقت لاحق، عندما احتاج إليها أمراء السوء. وإلا فليخبرونا لماذا لم نسمع “حديث الأئمة في قريش” على لسان أحدهم في السقيفة؟!.

ذلك هو دليل الإجماع الذي احتجوا به في وجوب منصب الإمامة السياسية، ومن ثم وجوب إقامة الحكومة الإسلامية. وهو كما ترى في غاية الضعف والهزال، عند من صحت عقولهم، ونظفت سرائرهم. فإذا كان هذا هو دليلهم الأكبر فكيف بأدلتهم الصغرى يا ترى؟!.. ولعلك تتساءل الآن: هل بقي لهم من حجة؟!.. والجواب: لم يتبق لهم سوى دليل هش يسمونه دليل العقل. وهذا الدليل يختلف مقامه عند الفرق الإسلامية، فهو لدى السنة دليل ثانوي، أما عند الشيعة فهو أكبر الأدلة وأعظمها، ولهذا فضلنا إرجاء مناقشته إلى الحلقة المقبلة، لنتعرف من خلاله على عقيدة الشيعة في موضوع الإمامة السياسية. بل لنتعرف من خلاله على مدى غيبة العقل عند المسلمين..!

الخلافة والإمامة والوهم (1/3)


نشر في صحيفة الجمهورية - عدد الأحد 12 فبراير-شباط 2012

كنا وعدنا في مقال سابق، بأن نبدأ سلسلة من المقالات في نقد الأسس الفكرية التي قامت عليها جماعة الإخوان المسلمين، لما لهذه الجماعة من أهمية على الصعيدين السياسي والديني في حياتنا المعاصرة. وهذا المقال هو تجسيد ذلك الوعد.

غير أن من المناسب قبل البدء التنويه إلى حقيقة أن نقد جماعة الإخوان هو في نهاية المطاف نقد لأصول التيار الديني برمته..سواء ما كان منه سنيا أم ما كان منه شيعيا.

لذا فلا غرابة أن ينزاح هذا المقال في جزئه الثالث إلى نقد التصور الشيعي للدولة والإمامة. ذلك أن الغاية من هذا الجهد هو بيان الزيف الذي تأسست عليه النظريات السياسية عند الفرق الإسلامية عموما. وتخصيص جماعة الإخوان بهذا النقد هو بمثابة الخزعة (العينة) التي يأخذها الطبيب لفحص حالة الجسم كله.. فماذا هناك؟!..


يعتقد الإخوان المسلمون أن الإسلام دين ودولة، ويقصدون بذلك أن الدولة جزء من الدين (الإسلام). ومن مقتضيات ذلك أن يصبح السعي إلى إقامة الدولة، والعمل في مجال السياسة العامة، من الفروض الكفائية لجماعة المسلمين (الأمة). والدولة عند الإخوان مفهوم غير محدد بصورة حاسمة. لكنه إذا ورد في أدبياتهم الدينية فإن الغالب أن يقصد به حكومة “الخلافة” الإسلامية. أما إذا ورد في أحاديثهم السياسية فإن الغالب أن يقصد به الدولة القطرية بمفهومها الحديث. وإن كان مفهوم “الخلافة الإسلامية” يقع في الصميم من سعيهم العام.


وإذا كنا بصدد قراءة نقدية لبعض جوانب الفكر عند جماعة الإخوان المسلمين، فإن من المهم التأكيد على أن كل قراءة لهذه الجماعة خارج السياق التاريخي لظهورها، ستكون قراءة قاصرة، ذلك أن الجماعة قد نشأت استجابة لظروف سياسية بحتة، أبرزها حادث سقوط الخلافة العثمانية في العام 1924م، والتحدي الاستعماري لمصر ولأجزاء من الوطن العربي آنذاك. فقد تأسست الجماعة في العام 1927م، أي بعد ثلاث سنوات من سقوط الخلافة العثمانية، وبعد سنتين من صدور كتاب “الإسلام وأصول الحكم” للشيخ الأزهري علي عبد الرازق، الذي وجه ضربة قوية لمفهوم الخلافة والحكومة الإسلامية.


وما من شك في أن شعار “الإسلام دين ودولة” الذي رفعه الإخوان كان ردا مباشرا على دعوى الشيخ علي عبد الرازق، الذي قال بأن الحكومة أو الخلافة ليست من خطط الدين، وأن النبي محمد (ص) لم يؤسس دولة، ولا كان ملكا من الملوك، وإنما كان نبيا رسولاً، مكلفا بإبلاغ الرسالة السماوية، ودعوة الناس إلى الهدى، ولم يكلف بإقامة دولة وحكومة. وقد تصدى للرد على هذه المقولة كبار مشائخ الدين آنذاك، وفي مقدمتهم محمد رشيد رضا، صاحب المنار، وشيخ الأستاذ حسن البنا مؤسس الجماعة. ولا غرابة أن يمضي التلميذ وراء أستاذه، وهو الذي استعار منه أكثر من شعار لجماعته، مثل ذلك الشعار الذي رفعته الجماعة مع الأغيار: “فلنتعاون في ما اتفقنا عليه، وليعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه”، فقد كان هذا شعار مجلة المنار التي أسسها رشيد رضا.


لقد اطمأن الإخوان منذ ذلك الوقت إلى أن موضوع الدولة الدينية ، قد أصبح أمرا محسوما، بالنسبة لهم على الأقل. خاصة وأن معظم الفقهاء المعاصرين، من أمثال مفتي المالكية في تونس، محمد الطاهر بن عاشور، قد صرّحوا بأن الدولة في الإسلام دينية لا مدنية. إلا أن الحوادث قد اضطرتهم فيما بعد إلى رفع شعار الدولة “المدنية”. كما حدث في المناظرة الشهيرة التي جرت في يناير من العام 1992م، بين كل من الشيخ محمد الغزالي، والمستشار مأمون الهضيبي، والدكتور محمد عمارة، من جهة، وبين المأسوف عليه الدكتور فرج فودة، والدكتور محمد أحمد خلف الله، من جهة ثانية. وأعلن طرف الإسلاميين في هذه المناظرة رفضه للدولة الدينية، ومطالبته بالدولة المدنية. وهم بطبيعة الحال لا يعترفون بوجود تناقض بين الشعارين، فالإسلام عندهم مازال دينا ودولة، وإن كانت الدولة فيه ذات طابع مدني!. وبحسب عبارتهم فإنها دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية. وسنعرف لاحقا أن هذه الصيغة التوفيقية بين الدين والدولة ليست مشكلة مبدئية، وإنما تكمن المشكلة في الحدود الدلالية لمفهوم الدين والدولة، كما سنبين في مناسبة قادمة.


وفي الطريق إلى معرفة تلك الدلالات والحدود، نود أن نصارحهم بأن ما اعتقدوه أمرا محسوما، لم يحسم بعد، وأن مقولة الشيخ عبد الرازق لم تمت بعد، وأن فيها من قوة الحق والصواب ما يضمن لها البقاء حتى النهاية. ولقد كان الرجل محقا تماما في دعواه، وإن كان قد قصر بعض التقصير في تأييدها بالبراهين الحاسمة. ولعله شعر بنوع من ذلك التقصير في وقت لاحق عندما أصدر كتابه الأخير في “الإجماع في الشريعة الإسلامية”. إلا أنه لم يوفق في توظيفه لصالح مقولته في كتاب الإسلام وأصول الحكم، كما اعتقد. ولا يغير من الأمر شيئا ما ذكره الدكتور محمد عمارة، من أن علي عبد الرازق قد تراجع في أخريات حياته عن فكرة الكتاب، أولاً، لأننا مرتبطون بالحقائق والبراهين لا بالأشخاص. وثانياً، لأن قصة التراجع هذه لم تثبت مطلقا، ولم يؤثر عن صاحبها أي مستند خطي أو كلامي يثبتها، وكل ما روي في الموضوع مجرد انطباعات وإشاعات من هذا النوع الذي ألفناه في بلاد العرب. ولقد امتد العمر بصاحب الكتاب أكثر من أربعة عقود بعد صدور الكتاب، كانت كافية وزيادة لإعلان مراجعاته لو كانوا صادقين.


قلت: إن عبد الرازق كان محقا في دعواه، فالخلافة /الإمامة /الحكومة ليست من خطط الدين، والنبي (ص) لم يؤسس حكومة، ولم يكن صاحب سلطة ملوكية. وهذه بالطبع ليست مجرد دعوى نلقيها لإثارة الزوابع والتوابع، وإنما هي مسألة من مسائل البحث العلمي والتاريخي نعيد طرحها لمزيد من النقاش والامتحان. فإن صمدت لامتحان الأسئلة فأهلا، وإن سقطت فسهلا.. ولا كرامة لغير الحقيقة.


وإن أول ما يقال في الاحتجاج لهذه الدعوى هو عدم وجود نص قرآني واحد يوجب منصب الإمامة والرياسة أو يدعو إلى إقامة حكومة. وهذه حقيقة اعترف بها حتى خصوم عبد الرازق أنفسهم. وهي الحقيقة التي اضطرت الفقهاء قديما إلى الاحتجاج على وجوب الخلافة بدليل الإجماع لا بدليل النص. وسيأتي الرد على دليل الإجماع هذا في السطور القادمة. وهذه العلة وحدها كافية لإخراج المسألة من دائرة الحق إلى دائرة الاجتهاد والخلاف الذي لا إنكار فيه.


أما ثاني ما نحتج به على صحة هذه الدعوى فهو شهادة التاريخ النبوي نفسه. فقد توفي النبي (ص) دون أن يخلف للمسلمين شيئا في نظام الحكم. فلا نظام للشورى، ولا نظام للبيعة، ولا نظام للمحاسبة السياسية، ولا نظام دواوين (وزارات)، ولا سجلات للجند والفيء والزكاة، ولا نظام سجون، ولا عملة محلية، ولا أي صورة حاسمة من صور الدولة والحكومة المعروفة في ذلك الزمان. وهو ما تجلت آثاره لاحقا في ذلك النزاع الذي نشب بين الصحابة حول خلافته على ولاية أمر الجماعة، وحول قتال مانعي الزكاة من المسلمين في خلافة أبي بكر، ثم في تعدد صور المبايعة للخلفاء الراشدين.


وقبل المضي في مناقشة الردود المتوقعة، أود لفت انتباه القارئ إلى أن كلامنا هذا لا يعني أن النبي محمد (ص) لم يمارس أي شكل من أشكال السلطة على جماعة المؤمنين آنذاك. إذ من الواضح الجلي أنه مارس نوعا معينا من السلطة على جماعته بوصفه ولي أمرها الأول.

إلا أننا نؤكد حقيقتين أخريين إلى جوار هذه الحقيقة، الأولى: أن سلطته على الجماعة جاءت بحكم الأمر الواقع، الذي فرضته طبيعة الولاية الدينية للنبي على جماعته. ومع هذا فقد كانت سلطته على جماعة المؤمنين تفوق سلطة الملوك والأباطرة على رعاياهم كما قال عبد الرازق. لأنها سلطة على القلوب والأرواح، منحتها له القلوب نفسها رضا واختيارا.

أما الحقيقة الثانية فهي أنه مارس شكلا بدائيا من أشكال السلطة، حتى بالقياس إلى أشكال السلطة المعروفة في زمنه. شكل لا يختلف جوهريا عن شكل سلطة رئيس القبيلة. فقد كان من مهام شيخ القبيلة الفصل في المنازعات بين أفراد قبيلته وأفخاذها، وتجهيز الجيش للغزو والقتال، وجمع الإتاوات للأغراض المختلفة، وربما بعث الرسائل لأمثاله من شيوخ القبائل، أو حتى الملوك. إلا أن هذا النوع من المهام لا يجعله في عرف العارفين ملكا، ولا يسمي سلطته حكومة. ولم تكن سلطة النبي على جماعته تختلف جوهريا عن سلطة رئيس القبيلة هذا، من حيث الشكل، وإن كانت المضامين والغايات مختلفة جذريا بالطبع.


ومن حمق القول أن يستدل البعض على كون النبي مؤسس دولة وصاحب حكومة، ببعثه الرسل إلى ملوك الأمم المجاورة. أولاً، لأن فعل إرسال الرسل لا يختص به أصحاب الدول والحكومات وحدهم، كما أشرنا من قبل، وثانياً لأن النبي (ص) فعل ذلك بحكم نبوته لا بحكم سلطانه الملكي. فقد كان يطالبهم بالدخول في الإسلام، لا بالدخول تحت سلطانه السياسي. وهذا أمر واضح كالشمس، لولا آن الشمس عند بعضنا لا تكون واضحة!.


وحتى أضع القارئ أمام صورة واضحة لهذا الأمر، واقطع له حبل الشك بسكين اليقين، فإني أدعوه لأن يتأمل معي نماذج النبوة كما عرضها القرآن الكريم. وهي ثلاثة لا رابع لها، ثم ادعوه إلى أن يضع النبي محمد عليه الصلاة والسلام في النموذج الذي يراه مناسبا، ولا أظننا سنختلف في هذه الجزئية:

النموذج الأول هو نموذج النبي فقط، ومن ممثليه: هارون وزكريا ويحيى عليهم السلام. فهؤلاء كانوا أنبياء بلا رسائل سماوية (كتب) تابعين لشرائع رسل سبقوهم (موسى)، ومن ثم كانوا أنبياء فقط. والنموذج الثاني هو نموذج النبي الرسول، ومن ممثليه: إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام. فقد كانوا أنبياء وأصحاب كتب، ومن ثم كانوا أنبياء رسل. والنموذج الثالث نموذج النبي الملك، وممثلوه البارزون: داود وسليمان عليهما السلام، فقد كان كل منهما نبيا تابعا لرسالة رسول قبله (موسى)، وهما مع ذلك ملكين متوجين.. ففي أي نموذج من النماذج النبوية السابقة يضع القارئ نبينا محمد عليه الصلاة والسلام؟. هل هو أشبه بهارون وزكريا، أم هو أشبه بداود وسليمان، أم هو أشبه بموسى وعيسى؟.


أظن أن الأمر واضح تماما.. فهو من زمرة الأنبياء الرسل، لا من زمرة الأنبياء الملوك، ولا من زمرة الأنبياء فقط. وهو في ذلك أشبه ما يكون بموسى عليه السلام. كلاهما بدأ حياته برعي الأغنام، وكلاهما تلقى رسالة الوحي في الجبل، وكلاهما هاجر بجماعته فرارا من بطش الفراعنة. وكلاهما أسس مجتمعا جديدا بعيدا عن سلطان الملوك. ومع هذا كله فإن أحدا لم يقل إن موسى كان ملكا أو مؤسسا لدولة اليهود، أو أنه خلف لقومه نظام حكم من أي نوع. وقد ظل بنو إسرائيل بعده عشرات السنين بلا دولة ولا حكومة، تحت سلطة كهنتهم الدينيين، في ما سمي بعهد القضاة، إلى أن طلبوا من أحد أنبيائهم أن يدعو ربه لكي يبعث لهم ملكا مثل بقية الأمم. فانظر كيف أن بني إسرائيل لم يطلبوا من نبيهم أن يصبح ملكا عليهم، وانظر كيف أن الله قد نصب عليهم طالوت ملكا، بالرغم من وجود نبي بجواره. وفي هذا ما فيه من الدلالة على أن الحكومة والسياسة ليست من أعمال الدين، وإلا لكان الأنبياء هم أولى الناس بها.

وهذا رد كاف على ما نسب إلى النبي من حديث يقول فيه “إن بني إسرائيل كانت تسوسهم أنبياؤهم”، إلا إذا قصدوا بالسياسة أعمال القضاء (الحكم) التي مارسها أنبياء فترة القضاة، كما يسميها علماء التوراة. وقد كان النبي محمدا يمارس هذا النوع من السياسة في جماعته، يدل عليه قول الله تعالى: «وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ» [المائدة:49]. والحكم بين الناس هو الفصل بينهم في المنازعات. ولم ترد كلمة الحكم في القرآن بمعنى السلطة السياسية السيادية مطلقا، بل بمعنى الحكمة وحسن التدبير ورجاحة العقل، ولهذا استحق نبي الله يحيى صفة الحكم في صباه: «يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا»[مريم:12].
ومع هذا الوضوح التام في الفرق ما بين نموذج السلطة النبوية والسلطة السياسية، إلا أن البعض يعجز عن رؤيته، أو بالأصح يتعاجز عن رؤيته. بل إن أحد المتسرعين من الشيوخ قد ذهب به الخيال إلى قول: إن موسى عليه السلام، كان صاحب دولة وحكومة في بني إسرائيل. ولست أدري إذا كان الأمر كما يقول لماذا لم يسمه الله ملكا، كما سمى داوود وسليمان عليهم السلام.! أما إذا كان يعني أن كل شكل من أشكال السلطة على جماعة ما، يعد دولة وحكومة، فإن كل مشائخ القبائل وزعماء الجماعات حينئذ، رؤساء دول ومؤسسي حكومات بما فيهم الأخ حسين بدر الدين الحوثي في صعدة!.


إذن فإن مصطلح دولة أو حكومة لا يطلقان إلا على شكل محدد من أشكال السلطة. فالدولة في المعنى العام تعني مجموع الشعب والإقليم والحكومة، أما في المعنى الخاص فهي تعني السلطة السيادية في المجتمع، ولها ملامحها التنظيمية والتنظيرية المعروفة في الأدبيات السياسية. أشرنا إلى بعضها في سطور سابقة. وهذه الملامح لم تكن متوفرة في سلطة النبي (ص) وزعامته قياساً إلى شروط عصره، فما بالك بشروط عصرنا.

الأربعاء، 6 فبراير 2013

عودة العقل

يضم الكتاب مجموعة منتقاة من مقالاتي التي نشرت خلال الأعوام الماضية، يجمع بينها هم واحد هو هم تحرير العقل العربي عامة والعقل اليمني على وجه الخصوص من مسلماته الزائفة، وأدواته العقيمة، اللاتي أثقلت كاهله وأحبطت مسيرته باتجاه البناء والتنمية. وقد جاء الكتاب تلبية لرغبة بعض القراء والأصدقاء الذين أشاروا علي بضرورة جمع ما تفرق من أفكار ومقالات بين دفتي كتاب يسهل الوصول إليه.

العنوان يحمل دعوة لإعادة تمكين العقل - الذي هو قرين النقد والإبداع ونقيض النقل والاتباع - في حياتنا. وهو يحاكي عنوانين للأستاذ توفيق الحكيم، الأول "عودة الروح" الذي يعد باكورة أعماله، والآخر عودة الوعي، الذي يعد أشهر أعماله السياسية.

يمكنكم تحميل الكتاب من هنا أو بالنقر على هذا الرابط:  goo.gl/MlTjRr