الاثنين، 28 ديسمبر 2015

فلسفة الاصطفاء والوسطية


(فقرة من كتاب تحت الطبع بعنوان "الإنجيل الخامس").
عصام القيسي

................... ............. ......... ........... ......... ....... ..........
لم يكن في وسع اللغة ولا في وسع بني إسرائيل آنذاك، استيعاب الفلسفة التي تقف وراء اختيارهم لهذه المهمة من دون الناس، ووراء هذه العناية الإلهية التي رافقتهم منذ ظهور موسى. وكل ما يستطيع عقل بسيط كالعقل الإسرائيلي آنذاك أن يستوعبه هو أن شيئاً ما مميزاً في جيناتهم هو الذي جعلهم أهلاً لهذا الشرف، فلا بد أنهم عرق خاص بين الأعراق، له – بالضرورة – أقداره الخاصة.

ولو أن موسى كان أستاذاً في الفلسفة الحديثة لحدثهم عن الخصائص التاريخية الموضوعية التي جعلتهم – دون غيرهم – محل اختيار الله لهذه المهمة. الخصائص التي كان من السهل أن تتوفر في شعب آخر سواهم لو أنه مر بنفس الظروف والملابسات التي مروا بها. لأخبرهم - مثلاً - أن حكمة الله الحكيم الخبير قد اقتضت أن يصطفي من بين مناطق الجغرافيا منطقة محددة، هي الشرق الأوسط، ومن بين قبائلها قبيلة إبراهيم بن آزر الكلداني، لسبب يتعلق بوسطية هذه القبيلة كما سنبين بعد قليل، وليس لأن سلالة إبراهيم ذات خصوصية عرقية، كما يتصور العقل الساذج، والضمير الشيطاني.

إنها "الوسطية" بأبعادها الجغرافية والنفسية والذهنية والحضارية. وسطية الجغرافيا التي لا بد أن تفرض أنماطاً وسيطة في الحياة العقلية والروحية لقاطنيها. فكما أن لسكان المناطق الباردة خصائصهم النفسية والذهنية المميزة عن خصائص سكان المناطق الحارة، كذلك لسكان المناطق الوسيطة خصائصهم الذهنية والنفسية والثقافية، التي رأى العليم الخبير أنها أصلح لحمل رسالة التوحيد من غيرها و"الله أعلم حيث يجعل رسالته" (الأنعام 124). وعلى سبيل الاختزال يمكننا القول إن الإنسان الوسيط بين الحضارة والبداءة يمتص أحسن ما في هذين النقيضين، ويدع أسوأ ما فيهما.

 لقد كانت الأقوام السامية في شمال الجزيرة العربية تتمتع بموقع جغرافي متوسط بين عدد من الحضارات المحيطة بها من جهة، وبين قبائل الأعراب البدائيين المنقطعين في مجاهل الصحراء العربية من جهة أخرى. فسومر وبابل والفرس في الشرق، والآشوريون والحثيون في الشمال، والمصريون في الغرب والدويلات اليمنية في الجنوب والبدو والأعراب في الوسط. وفي مقدمة هذه القبائل الوسيطة قبيلة إبراهيم بن آزر الكلداني، التي استوطنت أور كلدان جنوب بلاد الرافدين قرابة العام 1800 ق.م. ويبدو أن الأصول الأولى لهذه القبيلة تعود إلى حران في جنوب تركيا، بدليل رحلاتهم المتكررة إليها من أجل الزواج كما تدل شواهد التوراة. والتوراة نفسها دليل كاف على أن هذه القبيلة لم تستقر طويلاً في أي منطقة سكنتها، ولم تندمج اندماجاً كاملاً في أي مجتمع حضاري نزلت عليه.

لكن على الرغم من كونها قبيلة مترحلة، عابرة للحدود والمجتمعات، إلا أنها لم تكن قبيلة بدائية غارقة في البداوة والسذاجة، فقد ساعدتها الظروف والملابسات على الاحتكاك بالمجتمعين النقيضين من حولها، مجتمع الحضارة ومجتمع البداءة (الأعراب). ولعل اشتغال هذه القبيلة بالتجارة ومرورها بطريق القوافل هو الذي ساعدها على ذلك. ولعله السبب نفسه الذي هيأ مكة فيما بعد لاستقبال الرسالة الخاتمة، ولعل هذا أيضاً هو أحد معاني "لإيلاف قريش، إيلافهم رحلة الشتاء والصيف". وهنا يحضر السؤال المركزي لهذه الفقرة: ما الخصائص التي تجعل من القبائل الوسيطة أكثر أهلية لحمل رسالة التوحيد من غيرها؟ ولماذا؟.

 إن التحليل المقارن للعقول الثلاثة (المتحضر والوسيط والبدائي) يمكنه أن يضعنا أمام صورة تقريبية لما نريد قوله. فعلى مستوى العقل: يبدو العقل المتحضر آنذاك واقعاً تحت سلطان الأسطورة. والأسطورة بناء ذهني فني ورمزي مركب، لا يقدر على إنتاجه العقل البدائي ولا العقل الوسيط. وفي المقابل هناك العقل البدائي الواقع تحت سلطان الخرافة، وهي بناء ذهني ساذج بسيط، لا يليق بسمو العقل المتحضر، ولا يهيمن على العقل الوسيط هيمنة تفقده اتزانه. ويبدو العقل الوسيط بينهما متحرراً من سلطة هاتين الآفتين اللتين تمنعانه من تصور مفهوم الوحدانية النقي.

وعلى المستوى النفسي والأخلاقي: تبدو السيكولوجيا الوسطية ملائمة أكثر من غيرها لمهمة ثقيلة كمهمة حمل رسالة التوحيد، في عالم يكتظ بالأديان والعقائد الشركية والوثنية. إذ يبدو الإنسان الوسيط أطول نفساً من الإنسان البدائي المتصحر، الذي يتسم بالنزق واستعجال الثمار قبل أوانها. كما أنه يبدو أكثر صلابة في الحفاظ على ميراثه من الإنسان المتحضر، الذي يميل إلى المهادنة والتفاوض والحلول الوسطى بين الحق والباطل والصواب والخطأ، ويقدم التسعة والتسعين ليكسب المائة.

وقد أشار القرآن إلى مفهوم الوسطية هذا إشارة سريعة لم يلتقطها من مثقفينا – حسب علمي – سوى الأستاذ العقاد. فقد توقف في كتابه الثري "إبراهيم أبو الأنبياء" عند هذا السؤال المهم: "لم اختص الله الأمم السامية بالرسالات النبوية؟ لم لم تظهر هذه الرسالات في الهند أو في الصين أو في القارة الأوروبية؟ لم كانت هذه الرسالات هي الدور الذي تهيأت له أمة واحدة في وسط العالم: أمة وسطا كما نعتها القرآن؟".

ثم شرع العقاد في الإجابة على هذا السؤال في سطور عديدة بدأها بالقول: "تلك أسئلة غامضة تظل على غموضها، حتى ننظر في الأحوال النفسية التي يكون عليها الإنسان بين الحضارة والبداوة، ولا تهيئة لهذه الحضارة على انفراد، ولا البداوة على انفراد، بل لا بد فيها من التقاء الشعورين وامتزاج المجتمعين، ولم يحدث قط أنهما التقيا وامتزجا على هذا النحو في غير البلاد التي قامت عليها الحضارات الأولى، وظلت زمناً طويلاً جامعة بين الصحراء والمدنية والأقطار المتحضرة، كأنها خلقت للنهوض بهذه الأمانة، ثم نهضت بها ونشرتها في جميع أنحاء العالم، فهي دورها الأكبر بين سائر الأدوار التي توزعتها الأمم والعصور".

ثم يربط العقاد بين الوسطية والاشتغال في التجارة بسؤال أكثر تحديداً هو: لماذا كانت مدن القوافل أو المدن القريبة من الصحراء، أصلح البلاد للرسالة النبوية؟" ويقدم بين يدي الإجابة المفصلة إجابة مختصرة تقول: "إنها صلحت لذلك لأن الأحوال النفسية التي تتوافر فيها لا تتوافر في في حضارة العمران المتصل ولا تتوافر في الصحراء المنعزلة، ولا تتم أسبابها الحسنة ولا أسبابها السيئة في بيئة أخرى كما تتم في المدينة حولها الصحراء".

ويفصل العقاد رأيه هذا في سطور طويلة مفادها أن البلدان التي اتصلت حضارتها (لم تنقطع) تعطينا المشرعين والكهان ولا تعطينا الأنبياء والرسل. ذلك أن سريان العرف، وترقي العادات الاجتماعية، واستقرار نظام القانون والمعاملة، تؤهل أهل هذه البلدان لاستيعاب العقائد بصورة أفضل، وفي مقدمتها عقيدة التوحيد التي من المتوقع أن تكون هذه الحضارات قد عرفتها منذ أن كانت في طور البداوة، إلا أن الدين في هذه المجتمعات يؤول إلى سلطة الكهنة. إذ أن سلطة الكهنة – والكلام للكاتب – يكون راسخاً فيه أكثر من سلطان الملوك أنفسهم في كثير من الأحيان. وما تجربة أخناتون إلا مثال نموذجي لهذه الحقيقة، فقد أراد هذا الملك أن يفرض عقيدة التوحيد التي آمن بها فرضاً على الناس، وأن يجعلها دين الدولة الرسمي، وكانت النتيجة فشلاً ذريعاً، دفع ثمنه بقية الموحدين في مصر لمئات من السنين بعده. لقد وقف في وجه كهنة آمون بسيف الدولة فوقف له الكهنة بسيف الشعب.. والشعب غالب لا محالة في مثل هذه المواجهات!.

فليس من السهل على الأنبياء مواجهة سلطان الكهنة في البلاد المتقدمة – ومثلهم الفلاسفة - بخبراتهم العريقة في توجيه العوام والتشويش على الحقيقة وإثارة الشغب وحماية مصالحهم من تهديد المتطفلين!. ولك أن تتخيل أن نبياً قد بعث في اليونان في عصر السفسطائيين مثلاً، كيف سيكون حاله؟!. إنه بالتأكيد سيقضي معظم الوقت، لا في الدعوة إلى رسالته، وإنما في الإجابة عن الأسئلة والمعضلات المطروحة عليه!. وحتى لو أجاد الطريقة الفلسفية في الجدل فإنه سيقضي معظم وقته في محاولة إزاحة ركام الشبهات الذي غيب الحقيقة البسيطة تحته. وتلك كلفة كبيرة وجدوى قليلة.

والتاريخ يضرب لنا الأمثال في كيفية تأثير الثقافة المركبة للمجتمعات المتحضرة على عقيدة التوحيد البسيطة الواضحة. من أوضحها لدينا نحن المسلمين تأثير العقل الفارسي في الفكر الإسلامي. فقد خرج الإسلام من جزيرة العرب عقيدة واضحة بسيطة كوضوح الصحراء وبساطتها، وعاد من فارس عقيدة مركبة مشوشة، مكونة من عناصر أسطورية تختبئ في يرقاتها عبادة الملوك وتقديس السلالة التي عرفتها الثقافة الفارسية. خرج من مكة إسلاماً ليبرالياً يعطي الفرد مساحة واسعة من حرية العقل والضمير، وعاد من فارس إسلاماً غنوصياً مقيداً بذيل الإمام والمرجع والطائفة. خرج من مكة وهو قانون في الضمير والأخلاق وعاد من فارس وهو قانون في السياسة والصراع الاجتماعي والنفسي.

ذلك بالنسبة للمجتمعات المتحضرة فماذا عن المجتمعات البدائية (يسميها العقاد بدوية)؟.
تبدو المجتمعات البدائية القاطنة في مجاهل الغابات والصحاري، المنقطعة عن التواصل الحضاري والثقافي، فاقدة للحد الضروري من الاستعدادات الذهنية والنفسية والمادية للقيام بدور الشهادة على الناس. فالأعرابي الجهول النزق الباحث عن ما يسد رمقه، المتصف باللؤم والانتهازية، ليس مهيئاً ولا جديراً بالقيام بمثل هذا الدور الكبير. ولعل هذا معنى الآية: "الأعراب أشد كفراً ونفاقاً وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم" (التوبة 97). ومثل هذا الأعرابي - بل أبعد منه - ذلك الإنسان البدائي في غياهب الغابات الأفريقية، حيث تعيش الخرافة في أدنى أشكالها البدائية. وهذا لا يعني - بالطبع - أن هذه الأمم عاجزة تماماً عن استيعاب فكرة الدين والتوحيد، أو أنها ظلت طوال الوقت منقطعة عن الاتصال بالسماء، كما توحي بذلك الدراسات الأنثروبولوجية البدائية، التي على شاكلة "الغصن الذهبي" لـ جيمس فريزر. وإنما نعني أنها غير مؤهلة للقيام بدور الوسيط الناجح في نشر الرسالة ذات الطابع الحضاري والثقافي الأكثر رقياً وتركيباً، وهو ما يسميه القرآن بـ "الشهادة على الناس": "لتكونوا شهداء على الناس" (البقرة 143).

إذن فقد كان موسى يدرك – بحكمة النبي أو بخبر الوحي – أن لدى العقل الإسرائيلي قابلية كبيرة للوقوع في فخ التفسير العنصري للمسألة، وليس مستبعداً أن يأتي اليوم الذي يقول فيه الإسرائيليون لأنفسهم ولغيرهم "نحن شعب الله المختار، نحن أبناء الله وأحباؤه"!. وقطعاً لدابر هذه النتيجة ألقى عليهم موسى منذ البداية النبأ الذي سيؤرقهم ويعكر حياتهم لمئات من السنين القادمة. النبأ الذي سيكون سبب اجتثاثهم من الأرض المقدسة وتدمير هيكلهم الثالث والأخير كما سيتضح في سطور قادمة. لقد أخبرهم موسى أن الله العليم قد اطلع على أحوالهم في المستقبل فعلم أنهم سيخذلون عقيدة التوحيد وسيتورطون في الشرك وعبادة الأصنام ويقعون في خطيئة الكذب على الله، وأنه سيجازيهم على هذه الخطايا بأن ينزع عنهم شرف رسالة التوحيد ويعطيه لقوم آخرين وصفهم سفر التثنية بأنهم "قوم جهلاء" (التثنية: 32: 21) وأن الله سيبعث من هؤلاء الجهلة (الأميين) نبياً بمواصفات موسى يكون "حجر الزاوية" في بناء النبوة (أي خاتم الأنبياء)!. ................... ............. ......... ........... ......... ....... .......... 

كتاب عودة العقل (تحميل)


جزء من مقدمة الكتاب:

|يضم الكتاب مجموعة منتقاة من مقالاتي التي نشرت خلال الأعوام الماضية، يجمع بينها هم واحد هو هم تحرير العقل العربي عامة والعقل اليمني على وجه الخصوص من مسلماته الزائفة، وأدواته العقيمة، اللاتي أثقلت كاهله وأحبطت مسيرته باتجاه البناء والتنمية. وقد جاء الكتاب تلبية لرغبة بعض القراء والأصدقاء الذين أشاروا علي بضرورة جمع ما تفرق من أفكار ومقالات بين دفتي كتاب يسهل الوصول إليه. العنوان يحمل دعوة لإعادة تمكين العقل - الذي هو قرين النقد والإبداع ونقيض النقل والاتباع - في حياتنا. وهو يحاكي عنوانين للأستاذ توفيق الحكيم، الأول "عودة الروح" الذي يعد باكورة أعماله، والآخر عودة الوعي، الذي يعد أشهر أعماله السياسية .................... ............. ......... ........... ......... ....... ..........

  يمكنكم تحميل الكتاب من هنا أو بالنقر على هذا الرابط:  goo.gl/MlTjRr .

الخميس، 17 ديسمبر 2015

الإنجيل الخامس (كيف نجا المسيح من الصلب!)

الإنجيل الخامس..
(كيف نجا المسيح من الصلب!)
عصام القيسي
esamgisi@gmail.com
كان المسيح عيسى ابن مريم - ولا يزال - حكاية محاطة بالأسرار والغموض والإثارة. بدءاً من ميلاده المعجز، مرورا بمعاجزه المدهشة التي أظهرها الله على يديه، وحقيقة زواجه وإنجابه من مريم المجدلية، وانتهاء باختفائه الغامض. ومما زاد الأمر غموضا وإثارة أن مؤرخي القرن السابع عشر الأوروبيين قد شككوا في الوجود التاريخي لشخصية المسيح، مستندين إلى مبررين: أحدهما أنه - عليه السلام - لم يرد له ذكر في المدونات التاريخية التي عاصرته، وهي التي فصلت أخبار عصره. والآخر أن مضامين الأناجيل المروية عنه قد سبقت روايتها عن شخصيات قديمة قبله، وبعض تلك الروايات أقرب للأساطير.

وحتى تلك الإشارة اليتيمة والمقتضبة عن "عيسى القديس"، التي وردت في كتاب "يوسيفوس"، المؤرخ اليهودي المعاصر للمسيح، لم تسلم من الشغب. فقد أكد النقاد على أنها قد أضيفت إلى المتن بقلم أحد القراء المتأخرين، وقد عجب لخلو التاريخ من إشارة إلى حدث عظيم بحجم ظهور المسيح. إلا أن هؤلاء المتشككين لم يقدموا لنا - كما يقول العقاد - تفسيرا واضحا لظهور طائفة المسيحيين في القرن الميلادي الثاني بتلك الكثرة..! وليس هذا مجال استعراض المناقشات التي دارت حول هذه المسألة بين المشككين والمثبتين.
لقد تعرض المسيح للظلم بعد وفاته مرات ثلاث على الأقل: مرة حين تجاهله مؤرخو عصره، استصغارا لشأنه، وشأن جماعته. ومرة ثانية حين شكك مؤرخو القرن السابع عشر بوجوده التاريخي. ومرة ثالثة حين زيف المتدينون - من أتباع الديانات السماوية الثلاث - سيرته. فزعم اليهود أنه دجال، وأنه ابن زنا، وأنهم دفعوا به إلى الموت صلبا. وزعم المسيحيون أنه ابن الله، وأنه مات مصلوبا، تكفيرا عن ذنوبهم، وأنه سيعود مرة أخرى إلى الأرض ليحكمها بهم. وزعم المسلمون أنه قد جاء بنفخة من الله، وأنه لم يمت حتى الحظة، وإنما رفعه الله إليه نائما، وأنه سيعود مرة أخرى إلى الأرض ليقوم ببعض الأعمال - غير الضرورية - مثل قتل الخنزير، وكسر الصليب، ورفع الجزية!.

ومما يؤسف له أن الإسرائيليات قد أوجدت لنفسها مدرسة في التراث الإسلامي بلغت مستوى عاليا من السيطرة، نستطيع القول معه إن المسلمين باتوا يقرأون القرآن والتاريخ، بعيون يهودية، كما قال المستشرق اليهودي الروسي "إسرائيل ولفنسون"!. ولم يكتف المسلمون بالترويج للروايات الإسرائيلية، بل أضافوا من عندهم تفسيرات وتصورات لا تختلف في شيء عن الروايات الإسرائيلية. بعضها يدعم مقولة "المسيح ابن الله" أو مقولة "الأقنوم الثالث" في أقانيم الإله المسيحي!. فحين يقول أحدهم إن المسيح "روح الله" أو أنه "روح من الله"، بحرفية الجملة الأولى، وغموض الجملة الثانية، فإنما يقدم بذلك الذريعة لمن يقول: إنه لا فرق بين أن يكون المسيح روح الله أو ابن الله. فالروح – بمفهومها الشعبي - جزء من الذات، تماما كما أن الولد جزء منها. وهو ما قيل فعلا من قديم، وما سمعه كاتب هذه السطور من بعضهم أكثر من مرة!.

ولعل سائل يسأل: أو لم يصرح القرآن الكريم بأن عيسى عليه السلام نفخة من الله في مريم؟!. وقد يفاجئه أن نجيبه بالنفي، كلا، لم يقل القرآن ذلك، وإنما قال شيئا آخر اشتبه على الناس فهمه، كما اشتبه على بني إسرائيل موت المسيح نفسه. لم يقل القرآن إن عيسى "روح الله" أو أنه جاء بنفخة "من الله"، وإنما قال إن عيسى ابن مريم نفخة من "روح الله". وروح الله هنا هو جبريل عليه السلام. والقرآن يطلق على جبريل تسميات: "روح الله" و"الروح الأمين" و"الروح القدس". بل إن القرآن قد قطع الطريق أمام أي لبس قد يحدث في هذا الجانب، حين حدد الموضع الذي نفخ فيه جبريل من جسد مريم عليها السلام، بكل وضوح وصراحة؛ إنه "فرجها": "ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا".. وهي الطريقة ذاتها التي نفخ فيها جبريل في طينة آدم فبعث فيها الحياة: "ونفخت فيه من روحي".. ذلك أن جبريل هو صاحب المهمات السماوية الكبرى. وهو "الروح" التي تحمل سر الحياة. وهو المكلف بوضع هذا السر في المكان الذي يختاره الله، وهو الآية الكبرى في آيات الله: "ولقد رأى من آيات ربه الكبرى"..!
أما خرافة الاختفاء الغامض للمسيح، وخرافة عودته الثانية إلى الأرض، فقد فندهما كثير من عقلاء المسلمين. وسنتعرض في ثنايا هذه الدراسة القصيرة لبعض الحجج الكفائية في تفنيدهما، مع طرح سيناريو جديد - إلى حد ما - عن نهاية السيد المسيح في الأرض. على ضوء ما بين أيدينا من حقائق قرآنية، وقرائن تاريخية، ودلائل منطقية.

هكذا خلق الله المسيح:
والآن، ما حقيقة خلق المسيح عيسى ابن مريم في المنظور القرآني؟. سندع الإجابة للقرآن نفسه، يروي لينا في مشهد سريع ودقيق، لحظة اللقاء الخالق بين مريم وجبريل عليهما السلام. قال تعالى: "واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقياً، فاتخذت من دونهم حجاباً، فأرسلنا إليها روحنا، فتمثل لها بشرا سويا، قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا، قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا" (مريم:16-19). وفي سورة التحريم: "ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا، وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين". (التحريم: 12).

وخلاصة الآيتين الماضيتين هي أن الله قد أرسل جبريل – أعظم ملائكته شأناً - متجسدا في هيئة بشرية إلى مريم لمهمة محددة هي النفخ في فرجها بنفخة الحياة، تلك النفخة التي نفخها من قبل في طينة آدم، قال تعالى: "إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين، فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين" (ص:71-72).
إلا أن مهمات جبريل مع المسيح لم تنته عند النفخة الخالقة، فقد ظل يقدم خدماته اللوجستية للمسيح طوال الوقت. وقد ظل القرآن يكرر في أكثر من موضع، بأن الله أيد المسيح بروح القدس. ولا شك أن لهذا التكرار معنى يبرر مكانة جبريل عند المسيحيين في الأقانيم الثلاثة (الأقنوم الثالث)، وكأن للمسيح في هذا التأييد خصوصية بين الأنبياء. ولعل آية المائدة 110 تفصح عن شيء من هذه الخصوصية إذ قال تعالى: " إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلاً وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيراً بإذني وتبرئ الأكمة والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك..".
من الواضح أن هذه المهام تدخل في صلب اختصاص جبريل، بوجود قرينة النفخ في الطين، وكأن الآية أرادت الإشارة إلى أنه كان واسطة هذه المعاجز الربانية لدى عيسى، بوجود قرينة الخلق بالنفخ في الطين التي عرفناها عند جبريل من قبل..
 ذلك عن خلق المسيح ومعجزاته، فماذا عن نهايته؟.

شبهة العودة الثانية والوفاة المجازية:
هناك ثلاث روايات لنهاية المسيح، كل رواية منها تعبر عن عقيدة أصحابها. الرواية الأولى يهودية خالصة تزعم أن المسيح الكذاب - من وجهة نظرهم - قد انتهى مصلوبا على يد الرومان، بعد أن ألقت عليه عصابة الهيكل اليهودي القبض في أحد البساتين، ودفعوا به إلى بيلاطس، حاكم القدس، بتهم مختلفة. والرواية الثانية مسيحية كنسية، تزعم أن المسيح قد مات مصلوباً بمؤامرة يهودية كما تقول الرواية السابقة، لكن مع إعطاء بعد ديني أسطوري لهذه النهاية، مفاده أن  الله قد صلب ولده الوحيد فداء لخطايا المؤمنين. وأن المسيح قد صعد من قبره في بستان يوسف الرامي بعد يومين - تقريباً - إلى السماء، وجلس على يمين الرب. ويطلقون على قيامه من الموت مصطلح "القيامة".

أما الرواية الإسلامية.. معذرة فليس هناك رواية إسلامية واحدة بل روايتان: الأولى رواية الشيوخ، وهي خليط من الحقيقة والوهم، تقول إن المسيح لم يقتل ولم يصلب (وهذا هو جزء الحقيقة) وإنما رفعه الله إليه جسدا وروحاً وهو في حالة نوم (وهذا هو جزء الوهم). والأخرى رواية القرآن الكريم، المؤيدة بشواهد الكشوف التاريخية والدلائل المنطقية، وتقول إن الله قد أنجى عيسى عليه السلام من مؤامرة بني إسرائيل، فلم يقتل ولم يصلب، وإنما توفاه الله وفاة طبيعية، كوفاة البشر، ثم رفعه الله إليه، دون أن نعرف ما إذا كان الرفع للروح والجسد معاً أم للروح دون الجسد، ودون أن نعرف ما إذا كانت الوفاة قد حدثت في لحظة النجاة من الصلب أم بعد ذلك بزمن. وسنورد الرواية القرآنية عن هذه النهاية، مع تحليل ومناقشة هادئتين لشبهات المدرسة الإسرائيلية حول وفاة المسيح.
جاء في سورة آل عمران (55) قوله تعالى: "إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إليَّ ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إليّ مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون". وإذاً فقد توفي المسيح ورفع من الأرض. وإذا كانت مسألة الرفع غامضة مبهمة، فإن الوفاة مسألة واضحة لا لبس فيها، فمن أين جاء اللبس عند شيوخ الإسرائيليات إذاً؟.
 لقد وجد الشيوخ أنفسهم ملزمين بتصديق روايات إسرائيلية تزعم أن للمسيح عودة ثانية إلى الأرض، ويحتاجون إلى تخريج مناسب من القرآن يؤيد ذلك، فلم يجدوا سوى تأويل بعض الآيات على غير ظاهرها، دون مبرر علمي، مثل تأويلهم للوفاة في الآية السابقة بالنوم، مستشهدين بقوله تعالى في سورة  الزمر (42): "الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون". فالآية تميز بين الوفاة والموت، وتجعل الوفاة حالة تطرأ على الميت والنائم.

 والطريف في هذا التأويل أن الشيوخ قد لجئوا إلى المعنى المجازي دون المعنى الحرفي لكلمة (وفاة)، مع أنهم من أنصار المعاني الحرفية طوال الوقت. والرد على هذا التأويل من الوجوه الآتية:
 أولاً: لا يصح العدول عن المعنى الحرفي إلى المعنى المجازي إلا إذا استحالت الحقيقة ووجدت القرائن اللفظية الصارفة، وهذا ما لم يتوفر في التأويل السابق، فلا حقيقة الوفاة استحالت، ولا القرائن الصارفة للمعنى الحرفي وجدت. وأكاد أسمع من يقول إن القرينة اللفظية موجودة في قوله تعالى من الآية السابقة: "تكلم الناس في المهد وكهلا"، ولفظ "كهلا" يشير إلى عودته الثانية، لأن المسيح رفع في سن مبكرة.. وهذا تأويل ساقط بالدلالات الآتية:
 أن المسيح قد توفي - حسب أدنى التوقعات عند المسيحيين - في سن الثالثة والثلاثين من عمره، وهذا عند العرب هو بداية الكهولة، كما نقل القرطبي عن الأخفش في تفسيره. هذا فضلاً عن أن علماء النصارى ومحققيهم يشككون في صحة تاريخ ميلاد المسيح المعروف، ويرجحون ميلاده قبل هذا التاريخ بسنوات لا تقل عن أربع ولا تزيد عن ست، وفضلا عن الشواهد الأثرية التي تزعم وجود المسيح في العام 45م.

 أن عودته المزعومة إما أن تكون بسنه التي رفع فيها، وهي سن الكهولة نفسها كما أسلفنا، وإما أن يعود في سن أكبر منها، وحينئذ يكون قد تجاوز سن الكهولة إلى ما بعدها، ولا تنطبق عليه الآية!.
 إن سياق الآية يدل على أن الكلام في المهد والكهولة هو حديث الوحي المعجز لا حديث البشرية الصرفة، بدليل مجيئه في سياق الحديث عن الروح القدس (جبريل)، لا في سياق الحديث عن معجزة مستقبلية. وهذا النوع من الكلام قد وقع وانقضى، فقد تكلم المسيح في المهد بما هو معلوم، ثم تكلم في سن بعثته - أياً كانت سنه عندها - بكلام الوحي المعجز، الذي لا يقل إعجازا عن كلامه في المهد. فقد أخبر عن حقائق لا يطلع عليها إلا وحي، وتنبأ بأحداث مستقبلية لا يعلمها إلا العليم في السماء، وكشف عن ما تخفيه صدور بعض تلاميذه أو خصومه بعلم الله، وكل هذا كلام معجز ككلامه في المهد. فما الداعي إذن لتوهم أن كلام الكهولة هو إشارة إلى عودة المسيح الثانية إلى الأرض؟.

وحتى لو ثبت أن سن الكهولة يتجاوز سن الثالثة والثلاثين، أو حتى تجاوز سن الشيخوخة نفسها، فإن الإشارة لا تدل بالضرورة على معنى العودة الثانية، وإنما على العكس من ذلك قد تدل على سرّ آخر أراد القرآن – كعادته – أن يكشفه، هو سرّ تأخر وفاة المسيح عن التاريخ الذي اعتقده خصومه وأتباعه (سن الثالثة والثلاثين)، وأنه عاش بعد حادثة الصلب سنين عددا، يتنقل فيها من مكان إلى آخر خارج فلسطين، كما سيرد معنا بتفصيل أكثر في السطور القادمة.

ثانياً: كيف سيفهم الشيوخ قول الله تعالى على لسان المسيح "فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم"، وهو خطاب يقوله المسيح يوم القيامة بدلالة سياق الآية؟، قال تعالى: "وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله، قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق، إن كنت قلته فقد علمته، تعلم ما في نفسي ولا اعلم ما في نفسك، إنك أنت علام الغيوب، ما قلت لهم إلا ما أمرتني أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم، وأنت على كل شيء شهيد، إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم، قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها أبدا، رضي الله عنهم ورضوا عنه، ذلك الفوز العظيم". (المائدة: 115- 119).
 فهل الوفاة المقصودة في آية المائدة هي حالة من النوم أيضاً؟! وهل معنى ذلك عندكم أن المسيح لم يمت منذ خلقه الله إلى يوم القيامة؟!. ولماذا - من وجهة نظركم - لم يستخدم القرآن لفظ "الموت" في آية المائدة بدلا من الوفاة؟! أم تقولون إن الخطاب هنا حادث قبل يوم القيامة؟ وأين ستذهبون بالسياق الواضح المبين؟!.

ثالثاً: نتفق مع الشيوخ في عدم وجود ترادف دلالي بين لفظتي "وفاة" و"موت" ولكن هذا لا يعني عدم وجود اشتراك في المعنى. وأن في لفظة "وفاة" معنى من معاني الموت، أو أن الوفاة إحدى متعلقات الموت. و في المقابل فإن الاشتراك المعنوي بين لفظتي "الوفاة" و"النوم" غير معهود في لسان العرب، وهو إن وجد لن يكون أقوى من الاشتراك بين الوفاة والموت.
رابعاً: من خصوصيات الأسلوب القرآني أنه إذا اجتمع لفظان مشتركان في المعنى في سياق واحد طبقت عليهما القاعدة التي تقول "إذا اجتمعا في السياق افترقا في الدلالة، وإذا افترقا في السياق اجتمعا في الدلالة"، تماما مثل لفظي "الإيمان" و"الإسلام" الذين اجتمعا في سياق واحد فافترقا في دلالتهما في قوله تعالى: "قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم". مع أن كل لفظة منهما تقوم مقام الأخرى - إلى حد ما - حين تأتي منفردة في السياق.
فرضيات نهاية المسيح:

إذا ما استقر الرأي على أن المسيح قد توفي وفاة طبيعية، لا مجازية، فسنكون أمام عدد من الفرضيات لزمن هذه الوفاة. الفرضية الأولى أن يكون المسيح قد توفي قبل مؤامرة الصلب. والفرضية الثانية أن يكون المسيح قد توفي قبيل الذهاب إلى الجلجثة (مكان الصلب) بوقت يسير. والفرضية الثالثة أن يكون المسيح قد توفي بعد حادثة الصلب بزمن غير قليل. مع استبعاد سيناريو الوفاة خلال عملية الصلب، لأن القرآن ينفي حدوث الصلب أو القتل نفيا قاطعاً "وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم" (النساء:157).
 القول بالفرضية الأولى سيضعنا في مواجهة عدد من الأسئلة الحرجة، منها: كيف خفي ذلك على بني إسرائيل، وهو بينهم؟ وهل من المعقول أن يزعموا قتله وقد علم الناس موته من قبل؟ وهل من اللائق أن يتوفاه الله في اللحظة التي يقرر اليهود فيها موته؟. وغيرها من التساؤلات المنطقية. هذا فضلا عن أن هذا السيناريو لا يحظى بأي سند له من الدين أو التاريخ. بل إن الإشارة القرآنية تستبعده في قوله تعالى "وإذ كففت بني إسرائيل عنك"، ولا يكون من معاني الكف أن يتوفاه الله فيحقق رغبة اليهود في التخلص منه، ولهذا نستبعد هذه الفرضية. ولم يتبق أمامنا سوى الفرضيتين الثانية والثالثة. ولكل منهما وجاهتها. إلا أننا نرجح الفرضية الثالثة، للأسباب الآتية:
ليس من اللائق كما أسلفت أن يتوفاه الله في اللحظة التي قرر فيها أعداؤه التخلص منه، فإن في هذا تحقيقا لغاية خسيسة عندهم، وشفاء لأحقادهم، في الوقت الذي ننتظر فيه تبكيتهم وإيلامهم.
تصريح الأناجيل بظهور المسيح لتلاميذه بعد القيام من القبر. ونحن نتفق معها في أنه ظهر لتلاميذه، لأنه كان حيا مختفيا عن الأنظار، ومن ثم نختلف معها في كونه خرج من القبر بعد الصلب. والجدير بالذكر أننا نتعامل هنا مع الأناجيل القانونية عند المسيحيين، على أنها روايات تاريخية في أحد وجوهها - على الأقل -؛ يؤخذ منها ويرد، بموجب القرائن التاريخية والمنطقية المؤيدة أو النافية.
ما يحكيه مؤلفو كتاب "الدم المقدس، الكأس المقدسة"، ميشيل بيجينت، هنري لنكولن، رتشاردلي، من اكتشاف وثيقة سرية تثبت وجود المسيح في العام 45م، فارا من عقوبة الحاكم الروماني، وأن لاهوتياً معاصراً عالماً في اللغات القديمة قد فك شفرتها، ثم اختفت بعد معرفة مكنونها.

تصريح إنجيل توما - وهو إحدى المخطوطات المكتشفة في قرية نجع حماد المصرية عام 1945م، ويعود تاريخه إلى القرن الثاني الميلادي في أبعد التقديرات - على لسان المسيح، بأنه لم يصلب وأن شخصاً آخر هو الذي صُلب بدلاً عنه، يدعى سمعان. وهذا نص كلام المسيح في إنجيل توما: " أنا لم أستسلم إليهم كما خططوا...وأنا لم أمت في الحقيقة، فقط بالشكل، خشية أن يتم تعريضي للخزي والعار بواسطتهم...بالنسبة لموتي الذي ظنوا أنه حدث، فقد حدث لهم بخطئهم وغشية عيونهم، منذ أن دقوا المسامير على رجلهم ليقودوه إلى موتهم...كان رجلا آخر، كان أبوهم، الذي شرب المرارة والخل، هو لم يكن أنا. ضربوني بالقصبة وكان رجلا آخر، سمعان الذي حمل الصليب على كتفه. لقد كان رجلا آخر الذي وضعوا على رأسه تاج الأشواك...وأنا كنت أسخر من جهلهم". (الدم المقدس: 533).

وجود طوائف مسيحية قديمة، تعترف الكنيسة بوجودها - كالأبيونية والأريوسية - كانت تنكر صلب المسيح وألوهيته. من شخوصها المعروفين "باسيلديدس"، الذي صرح بأن المسيح لم يمت على الصليب، وإنما استبدل ببديل، قائلا بأنه نبي من الأنبياء، لا أكثر ولا أقل. ومنهم "آيروس" الذي كفرته الكنيسة، وتنتسب إليه طائفة "الأيروسيين"، الموحدين، وقد ورد ذكرهم في رسالة النبي محمد (ص) لهرقل إذ جاء فيها "وإلا فعليك إثم الأريسيين"، ويقصد بهم طائفة الموحدين النصارى. بل إن "ماني" - وتنسب إليه العقيدة المانوية - كان أيضاً من منكري صلب المسيح.
وجود رواية متواترة بين سكان منطقة كشمير، تقول إن رجلا صالحا يدعى (عيسو)، قد نزل عندهم بعد سفر، في القرن الميلادي الأول. وأن قبره موجود في تلك المنطقة منذ ذلك الحين، كما يروي العقاد، وغيره من المهتمين. ولا يستبعد أن يكون عيسو الصالح هو عيسى النبي، الذي خرج من فلسطين هربا من أعدائه، وسائحا في الأرض، للدعوة إلى الله.
تلك بعض القرائن المؤيدة للقول بأن المسيح عيسى ابن مريم قد عاش زمنا بعد نجاته من مؤامرة القتل، وقبل أن يتوفاه الله إليه أياً كانت هذه المدة. ولا يصح الاحتجاج ضد هذا بقوله تعالى "إني متوفيك ورافعك إلي"، لأن واو العطف هنا لا تدل على التعقيب الفوري بين الوفاة والرفع، وإنما تدل على الترتيب فحسب.

السيناريو المحتمل لنهاية المسيح:
 ويمكننا على ضوء المقدمات الماضية، وعلى ضوء ما أوردته الأناجيل القانونية من روايات، أن نتصور السيناريو المحتمل  لنهاية المسيح، ونجاته من مؤامرة الصلب. وقبل ذلك نعرض على القارئ - في إيجاز - رواية إنجيل "متى" لأيام المسيح الأخيرة. بوصفة أول الأناجيل القانونية ترتيبا في العهد الجديد، وأقدمها – أيضاً – عد بعض الدارسين، أمثال الإنجليزي "أينوك باول" صاحب كتاب "تطور الأنجيل". ثم نعقب عليه بسيناريو متخيل للأحداث، يكشف غامضها، ويزيل تناقضها، فماذا تقول الأناجيل؟.
يحكي "متى" في إنجيله: أنه في مساء ذلك اليوم (الخميس)، وبعد اجتماع كهنة الهيكل وشيوخ الشريعة في بيت "قيافا" كبير الكهنة اليهود، واتفاقهم على اعتقال المسيح ومحاكمته، توجهت عصابة من اليهود إلى البستان الذي كان يصلي فيه المسيح مع تلاميذه بعد العشاء الأخير. وحدث ما تنبأ به المسيح من قبل، وما خطط له الكهنة والشيوخ من بعد، وألقي عليه القبض.
وفي ذلك المساء، تمت محاكمته الأولى في بيت قيافا،  أمام حشد الكهنة ومعلمو الشريعة وشيوخ الشعب. وتمت إدانته في وقت قصير بتهمة التجديف، بعد الاعتداء عليه بالضرب والسب. ثم اقتيد صباح اليوم التالي (الجمعة) إلى الحاكم الروماني بيلاطس، حيث تمت محاكمته الشكلية الثانية، بتهمة ادعاء الملك، ومنافسة القيصر. إلا أن بيلاطس لم يقتنع بجرم المسيح، وتعاطف معه، وعرض على اليهود المتجمهرين تسوية سياسية بشأنه، وذلك بأن يطلق لهم سجينا يهوديا مهما (يشوع باراباس) في مقابل العفو عن المسيح. إلا أن جمهور اليهود رفض هذا العرض وظل يهتف مطالبا بصلب المسيح. وهنا رضخ بيلاطس لطلبهم، بعد أن أعلن براءته من دمه. وذهب المسيح إلى الجلجثة (مكان الصلب) ليلقى مصيره المقرر.
وفي المساء ذاته طلب أحد تلاميذ المسيح الأثرياء (يوسف الرامي) من بيلاطس، أن يأذن له بإنزال المسيح من الصليب، ليدفنه في قبر كان قد أعده لنفسه. وقد أذن بيلاطس بذلك. وفي صباح يوم الأحد قام المسيح من قبره، وذهب لزيارة تلاميذه في مدينة الجليل، قبل أن يصعد إلى السماء.

تلك خلاصة مركزة لرواية الأناجيل عن الأيام الثلاثة الأخيرة في حياة المسيح. وهي رواية للأحداث، مكونة من خمسة مشاهد أساسية:
الأول: مشهد العشاء الأخير مع التلاميذ.
الثاني: مشهد المحاكمة في بيت قيافا.
الثالث: مشهد المحاكمة الثانية بين يدي بيلاطس.
الرابع: مشهد الصلب على الجلجثة.
الخامس: مشهد القيام من القبر وزيارة التلاميذ.

 السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: كيف تم نقل هذه المشاهد المختلفة في رواية واحدة؟.
ليس هناك سوى ثلاثة احتمالات لرواية هذه المشاهد مجتمعة:
الأول: أن يكون أحد التلاميذ قد تابع هذه المشاهد بنفسه، أو نقلها عن شهود عيان في لحظتها ثم نسجها في رواية واحدة.
الثاني: أن يكون أحد اليهود قد رواها لاحقا بعد أن تاب الله عليه وآمن بالمسيح، كما حدث مع بولس، ويسمى عادة بالراوي التواب!.
الثالث: أن يكون المسيح هو الذي رواها بنفسه بعد نجاته من المؤامرة.
وكل واحد من هذه الاحتمالات يواجه عددا من الأسئلة الحرجة. فالاحتمال الأول بعيد لأن الأناجيل تقول لنا إن التلاميذ هربوا أثناء إلقاء القبض على معلمهم في البستان، ولم يتبعه منهم سوى بطرس متخفيا، وإلا يهوذا الإسخريوطي الذي خانه وباعة للكهنة بثلاثين من الفضة، ثم شنق نفسه ندما على ما فعل في الليلة نفسها، فكيف نقل التلاميذ بقية المشاهد التي لم يروها؟ وخاصة المشهد الثاني؟. ولم يبق أمامنا غير بطرس، وهنا نتساءل: هل كان لبطرس التلميذ إنجيل يروي فيه الأحداث؟ أين هو؟ وإذا كان رواها لغيره، فما مدى دقة التحمل عنه؟.. ومثل ذلك ينطبق على بقية التلاميذ.

وأما إذا كان الاحتمال الثاني، وهو أن أحد اليهود، أو بعضهم، قد روى هذه الأحداث لاحقا فهذا يعني أننا أمام راوٍ ينقل عن الإشاعة لا عن شهادة عيان، لأنه على الأقل لم يحضر المشهد الأول (مشهد العشاء الأخير) الخاص بالمسيح وتلاميذه، وفيه من التفاصيل ما فيه.
 فلم يبق أمامنا سوى الاحتمال الثالث، وهو أن المسيح هو الذي روى هذه المشاهد المتصلة لتلاميذه بنفسه بعد نجاته من الصلب، وهؤلاء بدورهم رووها لمدونيها. ولكن هذا الاحتمال أيضا لا يخلو من تساؤلات لا جواب لها: من هم هؤلاء المدونين؟ وكيف نضمن صحة رواية الأناجيل القانونية، ونحن نجهل حقيقة مدونيها الذين نسبت إليهم؟ من هو متى، ومرقس، ولوقا، ويوحنا؟. إن المسيحيين لا يعلمون حقيقة هؤلاء إلا تخمينا وظنا!. ثم أين إنجيل المسيح نفسه؟ ألم يكن أولى بالرواية والتدوين؟.
ثم ضع هذه التساؤلات بجوار حقيقة مدهشة تقول إن كاتبي رسائل العهد الجديد التي يبلغ عددها 23 رسالة، ليس لديهم علم بما كتبه أصحاب الأناجيل القانونية الأربعة!، وأن أصحاب هذه الرسائل الخمسة لم يكن مطلعاً على ما كتبه الآخر، وأن رواياتهم تناقضت حينا وجهلت ما عند الآخرين حينا آخر، مع أنهم حسب زعم الكنيسة قد تلقوا وحيهم من الله جميعا!.

الذي نخلص إليه من هذه الوقفة هو أن الخطوط العريضة، والمشاهد العامة في رواية الأناجيل قد تكون صحيحة، بل من المرجح أنها كذلك لعدد من القرائن أهمها أنها وقعت أمام جيل من بني إسرائيل ومن غيرهم، ومن الصعب الكذب في الأحداث العامة التي وقعت أمام أنظار الناس. إلا أن التفاصيل داخل هذه الأحداث غير مضمونة، ومن حقنا إعادة تركيبها على ضوء الحقائق والدلائل التي لدينا جميعا، مسلمون ومسيحيون. وهذا هو ما سنفعله في السيناريو المفترض الآتي:
علم المسيح عليه السلام - وهو المؤيد بجبريل طوال الوقت - بتآمر الكهنة وشيوخ إسرائيل عليه من وقت مبكر، وقد أخبر التلاميذ بهذا في العشاء الأخير، وربما قبله. وكان بإمكان المسيح على ضوء هذه المعلومات السماوية أن يفلت من بين أيدي المتآمرين، وأن يهرب متخفيا بالظلام خارج اليهودية، إلا أنه لم يفعل، وكان من حقه أن يهرب من أعدائه كما هرب النبي محمد (ص) من مشركي مكة في جنح الظلام. لكنه كان مطمئناً لنجاته (إني متوفيك ورافعك إليّ)، وأراد أن يقف مع قومه جولة أخيرة قبل أن يغادرهم إلى الأبد. ذهب معهم إلى بيت قيافا، وهناك صمد في مواجهة مكرهم، وحاول فضحهم أمام أنفسهم، وقد علم أنهم سيسلمونه إلى الحاكم الروماني، وأن الحاكم الروماني يكره اليهود وكهنتهم. ويعلم أن في قصر الحاكم من يؤيده ويتعاطف معه (زوجة الحاكم مثلا).
وهناك في قصر بيلاطس يحدث ما لم يطّلع عليه اليهود، إذ يخلو بيلاطس الروماني مع المسيح ليتدبر له مخرجا للنجاة من دون إثارة سخط اليهود عليه. ووقع الاتفاق على إيجاد بديل يقوم بدور البطولة. ومن الأفضل أن يكون البديل شخصاً من غير اليهود ومن غير الرومان، لسبب نعرفه بعد قليل. لكن من هو هذا البديل المغامر الذي يرضى بالذهاب إلى الموت في سبيل إنقاذ شخصٍ آخر؟!. هناك شخص واحد يمكنه قبول ذلك. شخص محكوم بالإعدام لسبب من الأسباب، يؤتى به من محبسه، ويتم إبرام صفقة معه على القيام بدور البديل. يحصل فيها على النجاة من الموت، والعودة إلى بلده. فأين هذا الرجل بهذه المواصفات؟.
هنا يدنو أحد مقربي الحاكم من أذن الأخير ويخبره عن "سمعان" القوريني، أحد المحكومين بالإعدام لديهم. فهو قوريني من ليبيا، وليس يهوديا ولا رومانيا. وهو في كل الحالات محكوم بالإعدام، فلن يتردد في قبول صفقة للنجاة إذا اطمأن إليها. وبعد لحظات يمثل سمعان بين يدي الحاكم والمسيح، ويدور الحوار الآتي:
الحاكم: يا سمعان، أنت محكوم بالإعدام صلباً، أليس كذلك؟
سمعان: أجل يا سيدي، وهذه فرصة لطلب العفو والصفح منكم، فلديّ أهل ينتظرون عودتي في قورينه.
الحاكم: سنعفو عنك يا سمعان بشرط أن تقبل ما سنقترحه عليك.
سمعان: قبلت يا سيدي شروطكم دون سماعها، وأنا طوع أمركم.
الحاكم: ستقوم يا سمعان بدور البديل لمحكوم آخر بالإعدام صلباً.
سمعان: (مندهشا) سيدي.. كأنك تريدني أن أصلب نيابة عن غيري، بدلا من أن أصلب نيابة عن نفسي؟! أين العفو إذن يا سيدي؟!.
الحاكم: لا تعجل، واستمع إلى هذا الرجل الصالح (يشير إلى المسيح) وسيخبرك بما تطمئن إليه.
يتدخل المسيح بصوته الحنون: اسمع يا سمعان، لا شك أنك قد سمعت عن المسيح عيسى الذي يحيى الموتى بإذن الله، وينفخ الروح في الطين المشكل على هيئة الطير فيجعله طيرا بإذن الله.
سمعان: أجل يا سيدي، سمعت عن هذا الرجل المبارك، فأخبار معجزاته على كل الألسنة، سمعتها حين وصلت إلى اليهودية، وسمعتها في السجن من المسجونين، ولكن ما علاقة هذا بما نحن فيه؟!
المسيح: أنا هو ذلك الرجل يا سمعان، وقد أيدني الله بروح القدس يصنع على يدي المعجزات بإذن الله، ولو أنك قبلت بما أخبرك به الحاكم، فسوف نتدبر أمر إنزالك من الصليب، ثم سيكون عليّ أن أعيد إليك حياتك بعد الصلب، وبهذا تنجو من العقوبة وتعود إلى بلدك وأهلك متخفيا عن أنظار الجميع هنا، ما رأيك؟!.
سمعان: قبلت الصفقة يا سيدي..!
يقتنع سمعان بدور البديل، مفضلاً أخف الضررين، ضرر الصلب الذي تعقبه النجاة، على الصلب الذي لا حياة بعده. وتتم عملية الصلب عصر الجمعة. ثم يأتي يوسف الرامي أحد تلاميذ المسيح السريين، في مساء الجمعة لينزل سمعان من الصليب، باتفاق مع بيلاطس، على غير عادة الصلب عند الرومان. وهناك، في بيت يوسف، يختبئ المسيح الذي خرج متنكراً من قصر بيلاطس، وتتم عملية إعادة الحياة إلى سمعان حسب الاتفاق، ويتم تهريبه في جنح الظلام خارج المنطقة، بعيداً عن أنظار اليهود المنشغلين بسبتهم. وفي صباح الأحد تذهب مريم المجدلية - تلميذة المسيح كما تقول الأناجيل، وزوجته أو خطيبته كما يقول "دان براون" في روايته الشهيرة "شفرة دافنشي" نقلا عن كتاب "الدم المقدس، الكأس المقدسة" - تذهب إلى بستان يوسف للقاء المسيح، تطمئن عليه وتنقل رسالته إلى تلاميذه.

تأييد السيناريو الافتراضي:
والآن قد يتساءل القارئ: وما مؤيدات هذا السيناريو عند صاحبه؟. وهو سؤال وجيه نجيب عنه من خلال النقاط الآتية:
أولاً- يفترض السيناريو وجود تعاطف من قبل الحاكم الروماني تجاه المسيح، وهو ما دفعه لتدبير عملية إنقاذ المسيح وتهريبه متنكرا من اليهودية. وهذا ليس افتراضاً خيالياً، فقد بنيناه على معطيات الأناجيل نفسها، التي تقول إن الحاكم الروماني كان لا يحب اليهود ولا كهنتهم، وأن زوجته قد بعثت إليه برسالة فور سماعها لخبر تآمر اليهود على قتل المسيح، تقول لزوجها فيها "إياك وهذا الرجل الصالح". ومن المنطقي أن يتعاطف الحاكم الروماني مع من يعاديه اليهود. تقول رواية (متى): "وكان بيلاطس يعرف أنهم من حسدهم أسلموا يسوع."، وأنه "أخذ ماءً وغسل يديه أمام الجموع وقال: أنا بريء من دم هذا الرجل". وأنه سمح ليوسف الرامي بأخذ المصلوب وتكفينه، وهذا أمر غير معهود في تقاليد الصلب الرومانية التي تترك المصلوب حتى تأكله الطيور. هذا إذا لم يكن الحاكم قد تأثر بما يقال عن كرامات المسيح ومعجزاته التي اشتهرت في وقته، وأسرّ إيمانه به.

ثانياً- يفترض السيناريو وجود بديل أجنبي قام بدور المصلوب نيابة عن المسيح. وهذا أيضاً ليس افتراضا خياليا، بل هو استناد إلى معطيات الأناجيل القانونية التي تقول في أحدها "وبينما هم خارجون من المدينة صادفوا رجلا من قيرين اسمه سمعان، فسخّروه ليحمل صليب يسوع." (متى). ولكننا نستبعد أن يكون سمعان قد وجد مصادفة كما تقول الرواية، وأن يحمل صليبا ثقيلا على ظهره نيابة عن محكوم بالصلب هكذا لوجه الله. خاصة وأن التقاليد الرومانية تقضي بأن يحمل المحكوم بالصلب صليبه على ظهره دون مساعدة من أحد. وكذلك استنادا إلى رواية (توما) في إنجيله المكتشف بقرية نجع حماد المصرية، عام 1945م، حيث ينقل رواية على لسان المسيح يصرح فيها بأن سمعان كان هو المصلوب البديل، وأوردناها في السطور السابقة. وأشهر من ذلك، استناداً إلى تراث الفرق المسيحية التي حكمت عليها الكنيسة بالضلال، وهي فرق توحيديه تعتقد في المسيح بمثل ما يعتقد المسلمون اليوم.

ثالثاً- يفترض السيناريو أن اليهود قد تعرضوا لخديعة دون أن يعلموا، حيث تم تهريب المسيح وصلب البديل المزيف. وهذا أيضا افتراض يستند إلى عدد من الحقائق والمعطيات منها أن الجنود قد أخذوا المسيح بعد انتهاء المحاكمة إلى قصر بيلاطس كما يروي "متى" : وهناك " جمعوا الكتيبة كلها، فنزعوا عنه ثيابه وألبسوه ثوبا قرمزيا.."، إلى غير ذلك من التفاصيل.
وهذه الأحداث جرت بعيدا عن أنظار اليهود، وفي مساحة من الوقت متسعة. وهو ما يساعدنا على القول بأن بيلاطس بعد أن أوهم اليهود برضوخه لقرار صلب المسيح قد اتجه إلى قصره، ودبر خلاص المسيح بعيدا عن أنظار أعدائه. خاصة وأن عامل الزمن في صالحه، إذا ما علمنا أن عصر الجمعة هو الوقت الذي يتهيأ فيه اليهود لسبتهم، مما يعني انشغالهم بطقوس السبت عن المسيح، وهي من أهم الطقوس لديهم، وهم من أشد الناس تمسكا بالمظاهر دون الجواهر كما كان ينعتهم المسيح. وإذا افترضنا وجود بعض شهود الصلب من اليهود كمل تقول الأناجيل فقد كانوا على مبعدة من المصلوب بحيث لا يميزون ملامحه، يقول (متى): "وكان هناك كثير من النساء ينظرن من بُعد..".

رابعاً- يفترض السيناريو أن المسيح قد خرج من قصر بيلاطس متنكرا، وأنه زار تلاميذه متنكرا، قبل أن يغادر اليهودية إلى خارجها. وهذا افتراض يستند إلى ما تروية الأناجيل من أن تلاميذه لم يتعرفوا عليه بعد قيامته من القبر، وأنه مشى مع تلميذين منهما على طريق عمواس "ولكن أعينهما عميت عن معرفته" وأن "بعضهم شكوا" فيه، كما يقول (متى). ثم إن هذا هو الافتراض المنطقي في حالة ما إذا قرر الحاكم تهريبه من المكان.

خامساً- يفترض السيناريو أن المسيح قد غادر منطقة اليهودية إلى خارجها، وأنه مات بعيدا عن موطنه، وهو افتراض يستند إلى عدد من المعطيات الإنجيلية والتاريخية والمنطقية التي ذكرنا بعضها من قبل، ولا بأس من إعادة ذكرها، وهي: أولاً: تخبرنا الأناجيل القانونية أن المسيح قد أخبر تلاميذه في العشاء الأخير بأنه سيلتقي بهم لاحقا في الجليل، خارج اليهودية، وأنه بعث إليهم بعد قيامته من القبر رسالة شفوية مع مريم المجدلية تأمرهم أن يلتقوه في الجليل حسب الاتفاق. وهذا يعني أنه لا يستطيع الظهور في اليهودية مرة ثانية. ولا نصدق مقولة الأناجيل بأنه قام من القبر لأن هذا لو حدث لكان وحده مبررا لظهوره مرة أخرى أمام الكهنة وشيوخ وشعب إسرائيل، ليثبت لهم معجزة ربانية أقوى تخضع لها رقابهم، لا أن يهرب منهم إلى الجليل. ثانياً: لا نتصور أن يكون المسيح قد توفي قبل الصلب أو أثنائه أو بعده بقليل للأسباب التي ذكرنا من قبل. ثالثاً: لوجود شواهد تاريخية على وجوده في العام 45م، كما أكد أصحاب كتاب (الدم المقدس) ورواية الأجيال في كشمير عن قبر عيسو الصالح، كما يعرفها الكتاب والمؤرخون.

وأخيرا قد يسأل أحدهم: وما أدرانا أن عملية الصلب برمتها قد وقعت؟. والجواب: إن هذه العملية قد اشتهرت في بني إسرائيل وروتها الأناجيل كلها، بما فيها الأناجيل غير القانونية (الأبوكريفا) المكتشفة حديثا وتعود إلى القرن الثالث الميلادي، وتلك المعروفة من قبل. وأهم من ذلك أن القرآن الكريم قد أكدها بالتضمين في قوله تعالى "وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم". وعبارة "شبه لهم" تفترض أمرين، الأول أن حادثة الصلب قد وقعت، وإن كان المصلوب شخصا غير المسيح. والآخر أن العملية مدبرة بقرينة أن الفعل "شُبِّه" مبني للمجهول، وفيه إيحاء بأن التشبيه مقصود ومدبر في الخفاء، ولم يكن عفوياً، ولو كان عفويا لناسب أن يقول "اشتبه عليهم"!، أي الأمر.

الاثنين، 30 يونيو 2014

الخلافة والإمامة والوهم (3/3)

نشر في صحيفة الجمهورية - عدد الأربعاء 15 فبراير-شباط 2012

سبق وقلنا: إن الإمامة والرياسة والحكومة من ضرورات الاجتماع لا من ضرورات الدين، وفي هذا رد على دليل آخر للقائلين بوجوب هذه المناصب وجوبا دينيا، هو دليل العقل. وإن كان دليل العقل عند أهل السنة يقع في منزلة متأخرة عن منزلة الإجماع، إلا أنه عند الشيعة الإمامية عمدة أدلتهم في إثبات الإمامة الإلهية لأئمتهم المعصومين، وإثبات وجود المهدي المنتظر، صاحب الزمان وحجة الله على خلقه!. بدعوى أن العقل قد دل على أن الله سبحانه وتعالى لا يجوز عليه أن يترك الخلق بلا هداة مهديين، وإلا وقعوا في الضلالة.. وفي هذا الطرح عجائب كثيرة، سمها إن شئت تناقضات، أو سمها إن شئت تجليات الصناعة اليدوية للعقائد الدينية!.

1 - فهم من ناحية يقولون: إن الإمام المعصوم ضرورة دينية، وأن العقل وحده لا يغني عن وجوده. فإذا سألتهم: من أخبركم بذلك؟ قالوا: العقل..!. إذن فإن العقل هنا مقدم على الإمام، وهو الأصل الذي يرجع إليه في إثبات الإمامة والولاية والمهدوية، وكل العقائد الشيعية الخاصة؟ فكيف لا يكون هذا الأصل _ وهو بهذه المنزلة عندكم _ بديلا عن الإمام؟!. كيف يكون العقل حجة في إثبات الأصول لديكم ولا يكون حجة في فهم الفروع والجزئيات، التي زعمتم أنها من وظائف الإمام؟!.

2 - ولا ندري لماذا دل العقل على وجوب الإمامة الإلهية عندكم وحدكم، ولم يدل غيركم على هذه الضرورة العقلية؟!. وكيف تعد الإمامة من الضرورات العقلية، بالرغم من أن معظم الخلق لا يقولون بها؟!. ولمن لا يعرف معنى الضرورة العقلية، نقول: هي ذلك النوع من الأحكام التي لا يختلف عليها اثنان في هذه الدنيا. فقولنا: إن 2 + 2 = 4 هو من الضرورات العقلية، وقولنا: إن الجزء أصغر من الكل، أو استحالة أن يكون الشيء موجوداً وغير موجود في الوقت نفسه، هي من الأحكام الضرورية في العقل، والمناطقة يقولون: إن هذا النوع من الأدلة أقوى من الأدلة الحسية نفسها، لأنه لا يحتمل الشك مطلقا. فهل مقولة الإمامة أو المهدوية من جنس هذه الأحكام؟. لا أظن أحدا لديه عقل يجرؤ على الإجابة بنعم.

3 - ثم إن إخواننا الشيعة لم يخبرونا حتى الآن، لماذا ترك الله خلقه بلا إمام منذ القرن الرابع الهجري؟. ولماذا قد يطول به الغياب آلافا من السنين القادمة؟!. أو ما فائدة مجيئه بعد ذلك، وقد ذهب معظم الخلق في غيبته؟!. بل ما جدوى اليوم الآخر نفسه ما دام المنتظر الحجة سيحقق العدل كله والخير كله في الدنيا، كما يقولون؟!. بل ما قيمة أن يتحقق هذا العدل وذاك الخير في آخر الزمان، بعد أن ذهبت معظم أجيال الإنسانية إلى الموت، دون أن تكحل عينيها برؤية هذا الفردوس الأرضي العظيم؟!. هل آخر أجيال الإنسانية أحب إلى الله من أولها وأوسطها وجزء كبير من آخرها، حتى يمنحها هذه الميزة؟!.

4 - وبجانب هذا كله، لم يخبرونا ما الشيء النوعي المميز الذي حققه أئمتهم الذين مضوا للناس، ولم يستطع غيرهم تحقيقه، وهم الأئمة المعينون من قبل الله تعالى!. لقد مضى منهم أحد عشر إماما (عند الأثني عشرية) من مجموع إثني عشر إماما، فهل اختلف فقههم جوهريا عن فقه أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي؟. وهل كانت لهم فلسفة في مستوى فلسفة أرسطو وأفلاطون وكانط وغيرهم من البشر العاديين؟. وما طبيعة الهداية التي حققوها لمجتمعاتهم آنذاك بصورة نوعية لم تتحقق عند المجتمعات الأخرى؟. لماذا لم يستطيعوا _وهم الأئمة المختارون من قبل الله_ أن يكشفوا عن أسرار القرآن الكريم، وفي مقدمتها أسرار الحروف المقطعة في أوائل السور على سبيل المثال؟. وغيرها من الأسئلة التي لن يجدوا لها جوابا شافيا إلا عند مخترعي هذه الأفكار أنفسهم..!

إن تاريخ الإمامة السياسية الدينية عند الفرق الشيعية جميعا (الاثني عشرية، والسبعية، والزيدية) بعد القرن الأول الهجري، يكشف عن نوعين من الأئمة على الأقل: النوع الأول، أئمة فقه ودين لم يمارسوا السلطان السياسي بأي صورة من الصور، ومعظم هؤلاء من الفقهاء الصالحين، الذين لم يضيفوا إلى حياة الناس شيئا جوهريا، ولا حققوا في مجتمعاتهم نقلة نوعية تميزهم عن غيرهم من فقهاء المسلمين. والنوع الآخر، أئمة فقه وحكام دول ساروا في الناس سيرة غيرهم من الحكام، فكان منهم العادل الزاهد، وكان فيهم الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا، وكان فيهم الظالم الجهول، والسفاح المبين. والصالحون فيهم لم يكونوا شيئا مميزا بين الخلق. بحيث يمكن القول: إن الله الحكيم قد اختارهم بطريقة ما دون غيرهم من الناس.
ولا يحتاج المرء لأكثر من شهادة التاريخ في الحكم بزيف دعوى الإمامة السياسية الدينية بكل أشكالها. مرددين مع المعري أبياته الشهيرة:
زعم الناس أن يقوم إمام ناطق في الكتيبة الخرساء..
كذب الزعم لا إمام سوى العقل مشيراً في صبحه والمساء..
أما قولهم: إن العقل وحده، بزمالة القرآن الكريم، لا يكفيان لهداية الإنسان، فهو كلام يصدق عليه بيت المعري الآخر:
هذا كلام له خبيء معناه ليست لنا عقولُ.!..
فقد صنع العقل من المعجزات ما لم يصنعه الأنبياء، فما بالك بالأئمة المفترى على بعضهم، والأئمة المفترين على بعضنا..!.

الخلافة والإمامة والوهم (2/3)

نشر في صحيفة الجمهورية - عدد الثلاثاء 14 فبراير-شباط 2012

قلنا إن القائلين بوجوب منصب الإمامة / الخلافة يحتجون بدليل الإجماع، بعد أن افتقدوا دليل النص. وكان الشيخ عبد الرازق قد بدد هذا الدليل بسهولة حين ذكرهم بأن فرقة من الخوارج (النجدات) والأصم من علماء المعتزلة، قد خرموا هذا الإجماع المزعوم. وهذا وحده كاف لاستبعاده من دائرة الاحتجاج عند من يؤمن بحجية الإجماع. وقد كان عبد الرازق لينا مع خصومه إلى حد كبير، إذ اعترف لهم بحجية الإجماع كدليل شرعي، واكتفى بنفي وقوعه في هذه المسألة، مع أنه سيد العارفين بأن مقولة الإجماع برمتها تعد واحدة من أشهر خرافات الوسط العلمي. وما كان ينبغي لعبد الرازق ولا لغيره، أن يسلموا ابتداء بحجية مثل هذا الدليل، وإدراجه ضمن الأدلة الشرعية الكبرى. وذلك لاعتبارات كثيرة، أبرزها عدم وجود نص قطعي من الكتاب في اعتبار الإجماع حجة شرعية ملزمة. وكل ما ورد في هذا الباب من استدلالات لا يصلح لشيء، بدليل أنه لا توجد آية واحدة اتفق الأصوليون والمفسرون على كونها قاطعة في حجية الإجماع.

وإن أشهر ما يستدلون به قوله تعالى: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء: 115]. وكان أول من استدل بها على حجية الإجماع هو الإمام الشافعي كما يقول السبكي، وهو استدلال رده عليه كثير من الأصوليين، بمن فيهم الإمام الغزالي، والسبكي نفسه، وهما من أئمة المذهب الشافعي!، على اعتبار أن المقصود بعبارة “سبيل المؤمنين” في الآية هو الإيمان نفسه لا الإجماع. ومما يجدر التوقف عنده رواية السبكي التي أشرنا إليها سلفا، إذ وردت فيها معلومتان ذواتا دلالات خطيرة. تقول الرواية إن الشافعي هو أول من استدل على حجية الإجماع بهذه الآية، وإن الشافعي عكف على المصحف ثلاثة أيام للبحث عن دليل في حجية الإجماع حتى استخرجها. ومن معاني ذلك أن مسألة الإجماع قبل الشافعي لم تكن مطروحة، أو أنها لم تكن ذات أهمية خاصة، وإلا فما معنى أن يكون هو أول من استخرج لها دليلا من القرآن؟!. كما أن من معانيها أن الشافعي كان يدخل على القرآن بمقررات مسبقة يبحث لها عن مؤيدات، لا أنه يأخذ مقرراته من القرآن ابتداء!. والحقيقة أن هذه العادة ليست غريبة على الإمام الشافعي فقد لمسناها عنده في أكثر من مسألة.

ومن المعلوم في الدرس الأصولي أن مسألة الإجماع من المسائل التي اختلف الفقهاء في كل تفصيلة من تفصيلاتها، فلم يجمعوا على أمر واحد من أمورها، حتى صح عليها القول: إن الإجماع نفسه بحاجة إلى إجماع. ولمن أراد تفصيل هذه الحقيقة والتأكد منها أن يرجع إلى كتاب “الإجماع في الشريعة الإسلامية” للشيخ علي عبد الرازق نفسه، أو إلى الخلاصة المركزة التي سجلها شيخ الأزهر السابق محمود شلتوت في كتابه الشهير “الإسلام عقيدة وشريعة”. وإن من يطلع على هذه المراجع ليعجب أشد العجب كيف أن الفقهاء، أو غالبيتهم، ما زالوا يؤمنون بحجية الإجماع، بدلا من الدعوة إلى استبعاد هذا الدليل من دائرة التشريع برمته!. لولا غياب الحساسية المنهجية عند أغلب من يتصدى لأمور الدين والعلم في القديم والحديث. فما بالك بحساسية التوحيد التي كان ينبغي أن تستيقظ فيهم، إذا ما علمنا أن مقولة الإجماع تفتح بابا خفيا للشرك، حين تسمح للبشر أن يضيفوا إلى دائرة الدين المقدس ما أجمعوا عليه بفهمهم!. ومع كل إجماع جديد يضاف إلى الشرع، تتهاوى في الأذهان مقاصد قول الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا.. [المائدة: 3].. إذ كيف يكون الدين قد اكتمل بوجود الرسول (ص) وباب الإضافة ما زال مفتوحا باسم حجية الإجماع؟!.

أما ما لم يتنبه له الخائضون في مسألة وجوب منصب الإمامة / الرئاسة _ بما فيهم عبد الرازق نفسه _ فهو الخلط بين الإجماع بوصفه حالة دينية والإجماع بوصفه ضرورة اجتماعية. فمن البدهي أن الدولة والحكومة والرياسة من الضرورات الاجتماعية التي لا تقوم حياة الناس إلا بها على وجه العموم. وما كانت هذه حالته فلا يحتاج إلى نص ديني أصلا. وهاهي أمم الأرض جميعا، بمختلف أديانها وأعراقها وظروفها، تقيم الدول والحكومات والرؤساء بدافع ضرورات الاجتماع، لا بدافع الدين. وهذا تحديدا هو دافع الصحابة بعد وفاة النبي (ص) من تنصيب خليفة له. وما كان حديثهم في السقيفة وما بعدها إلا حديث سياسة مدنية بحتة. وما ظهرت أحاديث الإمامة والسياسة إلا في وقت لاحق، عندما احتاج إليها أمراء السوء. وإلا فليخبرونا لماذا لم نسمع “حديث الأئمة في قريش” على لسان أحدهم في السقيفة؟!.

ذلك هو دليل الإجماع الذي احتجوا به في وجوب منصب الإمامة السياسية، ومن ثم وجوب إقامة الحكومة الإسلامية. وهو كما ترى في غاية الضعف والهزال، عند من صحت عقولهم، ونظفت سرائرهم. فإذا كان هذا هو دليلهم الأكبر فكيف بأدلتهم الصغرى يا ترى؟!.. ولعلك تتساءل الآن: هل بقي لهم من حجة؟!.. والجواب: لم يتبق لهم سوى دليل هش يسمونه دليل العقل. وهذا الدليل يختلف مقامه عند الفرق الإسلامية، فهو لدى السنة دليل ثانوي، أما عند الشيعة فهو أكبر الأدلة وأعظمها، ولهذا فضلنا إرجاء مناقشته إلى الحلقة المقبلة، لنتعرف من خلاله على عقيدة الشيعة في موضوع الإمامة السياسية. بل لنتعرف من خلاله على مدى غيبة العقل عند المسلمين..!

الخلافة والإمامة والوهم (1/3)


نشر في صحيفة الجمهورية - عدد الأحد 12 فبراير-شباط 2012

كنا وعدنا في مقال سابق، بأن نبدأ سلسلة من المقالات في نقد الأسس الفكرية التي قامت عليها جماعة الإخوان المسلمين، لما لهذه الجماعة من أهمية على الصعيدين السياسي والديني في حياتنا المعاصرة. وهذا المقال هو تجسيد ذلك الوعد.

غير أن من المناسب قبل البدء التنويه إلى حقيقة أن نقد جماعة الإخوان هو في نهاية المطاف نقد لأصول التيار الديني برمته..سواء ما كان منه سنيا أم ما كان منه شيعيا.

لذا فلا غرابة أن ينزاح هذا المقال في جزئه الثالث إلى نقد التصور الشيعي للدولة والإمامة. ذلك أن الغاية من هذا الجهد هو بيان الزيف الذي تأسست عليه النظريات السياسية عند الفرق الإسلامية عموما. وتخصيص جماعة الإخوان بهذا النقد هو بمثابة الخزعة (العينة) التي يأخذها الطبيب لفحص حالة الجسم كله.. فماذا هناك؟!..


يعتقد الإخوان المسلمون أن الإسلام دين ودولة، ويقصدون بذلك أن الدولة جزء من الدين (الإسلام). ومن مقتضيات ذلك أن يصبح السعي إلى إقامة الدولة، والعمل في مجال السياسة العامة، من الفروض الكفائية لجماعة المسلمين (الأمة). والدولة عند الإخوان مفهوم غير محدد بصورة حاسمة. لكنه إذا ورد في أدبياتهم الدينية فإن الغالب أن يقصد به حكومة “الخلافة” الإسلامية. أما إذا ورد في أحاديثهم السياسية فإن الغالب أن يقصد به الدولة القطرية بمفهومها الحديث. وإن كان مفهوم “الخلافة الإسلامية” يقع في الصميم من سعيهم العام.


وإذا كنا بصدد قراءة نقدية لبعض جوانب الفكر عند جماعة الإخوان المسلمين، فإن من المهم التأكيد على أن كل قراءة لهذه الجماعة خارج السياق التاريخي لظهورها، ستكون قراءة قاصرة، ذلك أن الجماعة قد نشأت استجابة لظروف سياسية بحتة، أبرزها حادث سقوط الخلافة العثمانية في العام 1924م، والتحدي الاستعماري لمصر ولأجزاء من الوطن العربي آنذاك. فقد تأسست الجماعة في العام 1927م، أي بعد ثلاث سنوات من سقوط الخلافة العثمانية، وبعد سنتين من صدور كتاب “الإسلام وأصول الحكم” للشيخ الأزهري علي عبد الرازق، الذي وجه ضربة قوية لمفهوم الخلافة والحكومة الإسلامية.


وما من شك في أن شعار “الإسلام دين ودولة” الذي رفعه الإخوان كان ردا مباشرا على دعوى الشيخ علي عبد الرازق، الذي قال بأن الحكومة أو الخلافة ليست من خطط الدين، وأن النبي محمد (ص) لم يؤسس دولة، ولا كان ملكا من الملوك، وإنما كان نبيا رسولاً، مكلفا بإبلاغ الرسالة السماوية، ودعوة الناس إلى الهدى، ولم يكلف بإقامة دولة وحكومة. وقد تصدى للرد على هذه المقولة كبار مشائخ الدين آنذاك، وفي مقدمتهم محمد رشيد رضا، صاحب المنار، وشيخ الأستاذ حسن البنا مؤسس الجماعة. ولا غرابة أن يمضي التلميذ وراء أستاذه، وهو الذي استعار منه أكثر من شعار لجماعته، مثل ذلك الشعار الذي رفعته الجماعة مع الأغيار: “فلنتعاون في ما اتفقنا عليه، وليعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه”، فقد كان هذا شعار مجلة المنار التي أسسها رشيد رضا.


لقد اطمأن الإخوان منذ ذلك الوقت إلى أن موضوع الدولة الدينية ، قد أصبح أمرا محسوما، بالنسبة لهم على الأقل. خاصة وأن معظم الفقهاء المعاصرين، من أمثال مفتي المالكية في تونس، محمد الطاهر بن عاشور، قد صرّحوا بأن الدولة في الإسلام دينية لا مدنية. إلا أن الحوادث قد اضطرتهم فيما بعد إلى رفع شعار الدولة “المدنية”. كما حدث في المناظرة الشهيرة التي جرت في يناير من العام 1992م، بين كل من الشيخ محمد الغزالي، والمستشار مأمون الهضيبي، والدكتور محمد عمارة، من جهة، وبين المأسوف عليه الدكتور فرج فودة، والدكتور محمد أحمد خلف الله، من جهة ثانية. وأعلن طرف الإسلاميين في هذه المناظرة رفضه للدولة الدينية، ومطالبته بالدولة المدنية. وهم بطبيعة الحال لا يعترفون بوجود تناقض بين الشعارين، فالإسلام عندهم مازال دينا ودولة، وإن كانت الدولة فيه ذات طابع مدني!. وبحسب عبارتهم فإنها دولة مدنية ذات مرجعية إسلامية. وسنعرف لاحقا أن هذه الصيغة التوفيقية بين الدين والدولة ليست مشكلة مبدئية، وإنما تكمن المشكلة في الحدود الدلالية لمفهوم الدين والدولة، كما سنبين في مناسبة قادمة.


وفي الطريق إلى معرفة تلك الدلالات والحدود، نود أن نصارحهم بأن ما اعتقدوه أمرا محسوما، لم يحسم بعد، وأن مقولة الشيخ عبد الرازق لم تمت بعد، وأن فيها من قوة الحق والصواب ما يضمن لها البقاء حتى النهاية. ولقد كان الرجل محقا تماما في دعواه، وإن كان قد قصر بعض التقصير في تأييدها بالبراهين الحاسمة. ولعله شعر بنوع من ذلك التقصير في وقت لاحق عندما أصدر كتابه الأخير في “الإجماع في الشريعة الإسلامية”. إلا أنه لم يوفق في توظيفه لصالح مقولته في كتاب الإسلام وأصول الحكم، كما اعتقد. ولا يغير من الأمر شيئا ما ذكره الدكتور محمد عمارة، من أن علي عبد الرازق قد تراجع في أخريات حياته عن فكرة الكتاب، أولاً، لأننا مرتبطون بالحقائق والبراهين لا بالأشخاص. وثانياً، لأن قصة التراجع هذه لم تثبت مطلقا، ولم يؤثر عن صاحبها أي مستند خطي أو كلامي يثبتها، وكل ما روي في الموضوع مجرد انطباعات وإشاعات من هذا النوع الذي ألفناه في بلاد العرب. ولقد امتد العمر بصاحب الكتاب أكثر من أربعة عقود بعد صدور الكتاب، كانت كافية وزيادة لإعلان مراجعاته لو كانوا صادقين.


قلت: إن عبد الرازق كان محقا في دعواه، فالخلافة /الإمامة /الحكومة ليست من خطط الدين، والنبي (ص) لم يؤسس حكومة، ولم يكن صاحب سلطة ملوكية. وهذه بالطبع ليست مجرد دعوى نلقيها لإثارة الزوابع والتوابع، وإنما هي مسألة من مسائل البحث العلمي والتاريخي نعيد طرحها لمزيد من النقاش والامتحان. فإن صمدت لامتحان الأسئلة فأهلا، وإن سقطت فسهلا.. ولا كرامة لغير الحقيقة.


وإن أول ما يقال في الاحتجاج لهذه الدعوى هو عدم وجود نص قرآني واحد يوجب منصب الإمامة والرياسة أو يدعو إلى إقامة حكومة. وهذه حقيقة اعترف بها حتى خصوم عبد الرازق أنفسهم. وهي الحقيقة التي اضطرت الفقهاء قديما إلى الاحتجاج على وجوب الخلافة بدليل الإجماع لا بدليل النص. وسيأتي الرد على دليل الإجماع هذا في السطور القادمة. وهذه العلة وحدها كافية لإخراج المسألة من دائرة الحق إلى دائرة الاجتهاد والخلاف الذي لا إنكار فيه.


أما ثاني ما نحتج به على صحة هذه الدعوى فهو شهادة التاريخ النبوي نفسه. فقد توفي النبي (ص) دون أن يخلف للمسلمين شيئا في نظام الحكم. فلا نظام للشورى، ولا نظام للبيعة، ولا نظام للمحاسبة السياسية، ولا نظام دواوين (وزارات)، ولا سجلات للجند والفيء والزكاة، ولا نظام سجون، ولا عملة محلية، ولا أي صورة حاسمة من صور الدولة والحكومة المعروفة في ذلك الزمان. وهو ما تجلت آثاره لاحقا في ذلك النزاع الذي نشب بين الصحابة حول خلافته على ولاية أمر الجماعة، وحول قتال مانعي الزكاة من المسلمين في خلافة أبي بكر، ثم في تعدد صور المبايعة للخلفاء الراشدين.


وقبل المضي في مناقشة الردود المتوقعة، أود لفت انتباه القارئ إلى أن كلامنا هذا لا يعني أن النبي محمد (ص) لم يمارس أي شكل من أشكال السلطة على جماعة المؤمنين آنذاك. إذ من الواضح الجلي أنه مارس نوعا معينا من السلطة على جماعته بوصفه ولي أمرها الأول.

إلا أننا نؤكد حقيقتين أخريين إلى جوار هذه الحقيقة، الأولى: أن سلطته على الجماعة جاءت بحكم الأمر الواقع، الذي فرضته طبيعة الولاية الدينية للنبي على جماعته. ومع هذا فقد كانت سلطته على جماعة المؤمنين تفوق سلطة الملوك والأباطرة على رعاياهم كما قال عبد الرازق. لأنها سلطة على القلوب والأرواح، منحتها له القلوب نفسها رضا واختيارا.

أما الحقيقة الثانية فهي أنه مارس شكلا بدائيا من أشكال السلطة، حتى بالقياس إلى أشكال السلطة المعروفة في زمنه. شكل لا يختلف جوهريا عن شكل سلطة رئيس القبيلة. فقد كان من مهام شيخ القبيلة الفصل في المنازعات بين أفراد قبيلته وأفخاذها، وتجهيز الجيش للغزو والقتال، وجمع الإتاوات للأغراض المختلفة، وربما بعث الرسائل لأمثاله من شيوخ القبائل، أو حتى الملوك. إلا أن هذا النوع من المهام لا يجعله في عرف العارفين ملكا، ولا يسمي سلطته حكومة. ولم تكن سلطة النبي على جماعته تختلف جوهريا عن سلطة رئيس القبيلة هذا، من حيث الشكل، وإن كانت المضامين والغايات مختلفة جذريا بالطبع.


ومن حمق القول أن يستدل البعض على كون النبي مؤسس دولة وصاحب حكومة، ببعثه الرسل إلى ملوك الأمم المجاورة. أولاً، لأن فعل إرسال الرسل لا يختص به أصحاب الدول والحكومات وحدهم، كما أشرنا من قبل، وثانياً لأن النبي (ص) فعل ذلك بحكم نبوته لا بحكم سلطانه الملكي. فقد كان يطالبهم بالدخول في الإسلام، لا بالدخول تحت سلطانه السياسي. وهذا أمر واضح كالشمس، لولا آن الشمس عند بعضنا لا تكون واضحة!.


وحتى أضع القارئ أمام صورة واضحة لهذا الأمر، واقطع له حبل الشك بسكين اليقين، فإني أدعوه لأن يتأمل معي نماذج النبوة كما عرضها القرآن الكريم. وهي ثلاثة لا رابع لها، ثم ادعوه إلى أن يضع النبي محمد عليه الصلاة والسلام في النموذج الذي يراه مناسبا، ولا أظننا سنختلف في هذه الجزئية:

النموذج الأول هو نموذج النبي فقط، ومن ممثليه: هارون وزكريا ويحيى عليهم السلام. فهؤلاء كانوا أنبياء بلا رسائل سماوية (كتب) تابعين لشرائع رسل سبقوهم (موسى)، ومن ثم كانوا أنبياء فقط. والنموذج الثاني هو نموذج النبي الرسول، ومن ممثليه: إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام. فقد كانوا أنبياء وأصحاب كتب، ومن ثم كانوا أنبياء رسل. والنموذج الثالث نموذج النبي الملك، وممثلوه البارزون: داود وسليمان عليهما السلام، فقد كان كل منهما نبيا تابعا لرسالة رسول قبله (موسى)، وهما مع ذلك ملكين متوجين.. ففي أي نموذج من النماذج النبوية السابقة يضع القارئ نبينا محمد عليه الصلاة والسلام؟. هل هو أشبه بهارون وزكريا، أم هو أشبه بداود وسليمان، أم هو أشبه بموسى وعيسى؟.


أظن أن الأمر واضح تماما.. فهو من زمرة الأنبياء الرسل، لا من زمرة الأنبياء الملوك، ولا من زمرة الأنبياء فقط. وهو في ذلك أشبه ما يكون بموسى عليه السلام. كلاهما بدأ حياته برعي الأغنام، وكلاهما تلقى رسالة الوحي في الجبل، وكلاهما هاجر بجماعته فرارا من بطش الفراعنة. وكلاهما أسس مجتمعا جديدا بعيدا عن سلطان الملوك. ومع هذا كله فإن أحدا لم يقل إن موسى كان ملكا أو مؤسسا لدولة اليهود، أو أنه خلف لقومه نظام حكم من أي نوع. وقد ظل بنو إسرائيل بعده عشرات السنين بلا دولة ولا حكومة، تحت سلطة كهنتهم الدينيين، في ما سمي بعهد القضاة، إلى أن طلبوا من أحد أنبيائهم أن يدعو ربه لكي يبعث لهم ملكا مثل بقية الأمم. فانظر كيف أن بني إسرائيل لم يطلبوا من نبيهم أن يصبح ملكا عليهم، وانظر كيف أن الله قد نصب عليهم طالوت ملكا، بالرغم من وجود نبي بجواره. وفي هذا ما فيه من الدلالة على أن الحكومة والسياسة ليست من أعمال الدين، وإلا لكان الأنبياء هم أولى الناس بها.

وهذا رد كاف على ما نسب إلى النبي من حديث يقول فيه “إن بني إسرائيل كانت تسوسهم أنبياؤهم”، إلا إذا قصدوا بالسياسة أعمال القضاء (الحكم) التي مارسها أنبياء فترة القضاة، كما يسميها علماء التوراة. وقد كان النبي محمدا يمارس هذا النوع من السياسة في جماعته، يدل عليه قول الله تعالى: «وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ» [المائدة:49]. والحكم بين الناس هو الفصل بينهم في المنازعات. ولم ترد كلمة الحكم في القرآن بمعنى السلطة السياسية السيادية مطلقا، بل بمعنى الحكمة وحسن التدبير ورجاحة العقل، ولهذا استحق نبي الله يحيى صفة الحكم في صباه: «يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا»[مريم:12].
ومع هذا الوضوح التام في الفرق ما بين نموذج السلطة النبوية والسلطة السياسية، إلا أن البعض يعجز عن رؤيته، أو بالأصح يتعاجز عن رؤيته. بل إن أحد المتسرعين من الشيوخ قد ذهب به الخيال إلى قول: إن موسى عليه السلام، كان صاحب دولة وحكومة في بني إسرائيل. ولست أدري إذا كان الأمر كما يقول لماذا لم يسمه الله ملكا، كما سمى داوود وسليمان عليهم السلام.! أما إذا كان يعني أن كل شكل من أشكال السلطة على جماعة ما، يعد دولة وحكومة، فإن كل مشائخ القبائل وزعماء الجماعات حينئذ، رؤساء دول ومؤسسي حكومات بما فيهم الأخ حسين بدر الدين الحوثي في صعدة!.


إذن فإن مصطلح دولة أو حكومة لا يطلقان إلا على شكل محدد من أشكال السلطة. فالدولة في المعنى العام تعني مجموع الشعب والإقليم والحكومة، أما في المعنى الخاص فهي تعني السلطة السيادية في المجتمع، ولها ملامحها التنظيمية والتنظيرية المعروفة في الأدبيات السياسية. أشرنا إلى بعضها في سطور سابقة. وهذه الملامح لم تكن متوفرة في سلطة النبي (ص) وزعامته قياساً إلى شروط عصره، فما بالك بشروط عصرنا.

الاثنين، 23 ديسمبر 2013

قراءة جديدة ليوم السقيفة

الخلافة قرشية لأسباب سرية!
عرّف العلماء الفساد فقالوا: هو وضع الشيء في غير موضعه. فوضع الملح في الشاي إفساد للشاي، ووضع السكر في الطبيخ إفساد للطبيخ، ومثله وضع اللين في موضع الشدة، والعكس. وأخطر منها وضع شخص جاهل في منبر التعليم والتوجيه والخطابة لمجرد أنه يجيد زئير الأسود، وترديد الببغاوات، وإثارة غرائز الحقد والغضب الكامنة في صدور الذين طحنهم الفقر، والجهل، والمرض. إلا أن من أدق مظاهر الفساد عند المسلمين وضع (الذاكرة) في موضع (العقل)، وهو أخطر ما تفعله أمة تنوي القضاء على نفسها، إذا ما عرفنا أن الجنون في حقيقته ليس سوى غياب (العقل) وحضور (الذاكرة). وقد كان هذا النوع من الفساد هو أبرز ما حمله القرآن على الكفار في عصورهم الماضية. وسجل لهم هذا المبدأ المنحرف في أكثر من آية نحو قوله تعالى: وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله، قالوا بل نتبع مآ ألفينا عليه آبآءنآ أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون. البقرة:170. والآية هنا تجعل اتباع الذاكرة (الآباء) نقيضاً لاتباع العقل. وتجعل الأول مذهباً للكفر، والآخر مذهباً للإيمان. فأصحاب الضلال يجعلون الآباء وعلومهم وتقاليدهم معيارا للحق والباطل، وأصحاب الإيمان يجعلون العقل معيارا لمعرفتهما. وهل هناك من الفساد واختلال الموازين ما هو أسوأ من أن تتحرك إلى الأمام وأنت تنظر إلى الخلف؟!. وحين تقرر أمة أن تجعل ماضيها حاضراً، ومستقبلها ماضياً، فقد قررت أن تقصي قوى التفكر والإبداع فيها، لصالح قوى التذكر والاتباع. ولا تسأل حينئذ عن مصير أمة هذا شأنها، إلا إذا كنت تجهل معنى فقدان العقل!.

ومن بين الآثار المدمرة لإقصاء العقل وتمكين الذاكرة في حياة المسلمين، أن واقعهم السياسي والاجتماعي والمعرفي، مرهون بتوجيهات التاريخ البعيد ومقرراته. فهم بدلا من البحث عن نظريات علمية مناسبة لواقعهم في هذه المجالات، يستدعون التاريخ لإعادة اجتراره وإنتاجه. فتاريخ السقيفة وصفين والجمل، ومخلفاتها السياسية والمذهبية، والعصبية، ليس ماضياً بقدر ما هو حاضرٌ متجسدٌ في كل ما نقول ونفعل ونأمل. وقد نشأ خطاب إسلامي ينتمي لإسلام ما بعد صفين أكثر مما ينتمي لإسلام ما قبل صفين. إلا إذ قيل إن الرسول وأصحابه كانوا ينتمون إلى أحد المذاهب الإسلامية السنية أو الشيعية مثلا. وإلا إذ قيل إن الصحابة كانوا يتنافسون في حفظ متون الحديث النبوي وتدوينه، مثلا آخر!. وليس لدى الباحثين اليوم من أنصار الحقيقة والعقل تجاه ماضيهم (وماضيهم هنا هو تراثهم وذاكرتهم الجمعية) إلا أحد خيارين: الأول: إعادة تصحيح هذا التراث، والآخر: إعادة قراءة وتأويل ما صح منه، على ضوء الحقائق والمناهج الموضوعية المستجدة. وليس بين خياراتنا خيار يقول بشطب التراث وإلغائه جملة واحدة، كما يتصور بعض الجهلة. فالأمة التي بلا تراث أمة لقيطة. وفي المقابل فإن الأمة التي تعتاش على تراثها وحده، هي عالة على الآباء، وعالة على الأمم من حولها، ويصدق عليها قوله تعالى: وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم، لا يقدر على شيء، وهو كَلٌّ على مولاه، أينما يوجهه لا يأت بخير، هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل، وهو على صراط مستقيم. النحل:76.

ونزولاً عند الخيار الأول فقد حاول صاحب هذه السطور في مرحلة سابقة، وبكل ما أوتى من معرفة متواضعة أن يعيد النظر العلمي في بعض قضايا التراث الإسلامي، وعلى رأسها حقيقة (حجية) الحديث النبوي، لما لها من آثار خطرة، على العقل والواقع الإسلاميين، بل وعلى صحة العقيدة نفسها. وإنها على رغم خطورتها، لم تأخذ حقها من الدرس والبحث العلميين. وخلص إلى قناعة راسخة بكون الحديث النبوي ليس جزءاً من الوحي الذي كلف الرسول (ص) بتبليغه، وإنما هو جزءٌ طبيعيٌ من السيرة النبوية. إذا ما عرفنا أن سيرة أي شخص هي مجموع أقواله وأفعاله وتقريراته. مدللاً على ذلك بكافة أنواع الحجج والبراهين العقلية والنقلية، التي لا ينكرها عقل عرف معنى الدليل ووظيفته. وهاهو _نزولاً عند الخيار الثاني_ يحاول إعادة قراءة وتأويل واحدة من أخطر لحظات التاريخ الإسلامي، التي ساهمت في تضبيب المشهد السياسي والفكري الإسلاميين، هي لحظة (السقيفة). ولحظة السقيفة هذه هي لحظة اجتماع بعض الصحابة في سقيفة بني ساعدة، بالمدينة المنورة، عقب وفاة النبي بساعات قليلة، لاختيار خليفة سياسي للرسول عليه الصلاة والسلام، وأدت إلى ظهور أول نزاع علني بين كبار الصحابة. ولعل من المناسب أن أضع القارئ أمام الرواية التاريخية لأحداث السقيفة، قبل التعقيب عليها بما يكشف عن أسرارها التي خفيت على الخائضين فيها من قديم، حسب ما يعلم.

الرواية التاريخية:
يروي ابن هشام في سيرته نقلاً عن ابن إسحاق ما يأتي: قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَلَمّا قُبِضَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ انْحَازَ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ إلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ ، وَاعْتَزَلَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللّهِ فِي بَيْتِ فَاطِمَةَ وَانْحَازَ بَقِيّةُ الْمُهَاجِرِينَ إلَى أَبِي بَكْرٍ ، وَانْحَازَ مَعَهُمْ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ فِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَل ِ فَأَتَى آتٍ إلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ، فَقَالَ إنّ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ مَعَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ ، قَدْ انْحَازُوا إلَيْهِ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ بِأَمْرِ النّاسِ حَاجَةٌ فَأَدْرِكُوا قَبْلَ أَنْ يَتَفَاقَمَ أَمْرُهُمْ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي بَيْتِهِ لَمْ يُفْرَغْ مِنْ أَمْرِهِ قَدْ أَغْلَقَ دُونَهُ الْبَابَ أَهْلُهُ . قَالَ عُمَرُ فَقُلْت لِأَبِي بَكْرٍ انْطَلِقْ بِنَا إلَى إخْوَانِنَا هَؤُلَاءِ مِنْ الْأَنْصَارِ ، حَتّى نَنْظُرَ مَا هُمْ عَلَيْهِ. أهـ. ثم ينقل لنا ابن هشام رواية أخرى عن خطبة لعمر بن الخطاب في وقت توليه لأمر المسلمين بعد أبي بكر، تفسر ما حدث يوم السقيفة، يقول فيها عمر: . فَلَا يَغُرّنّ امْرَأً أَنْ يَقُولُ إنّ بَيْعَةَ أَبِي بَكْر ٍ كَانَتْ فَلْتَةً فَتَمّتْ وَإِنّهَا قَدْ كَانَتْ كَذَلِكَ إلّا أَنّ اللّهَ قَدْ وَقَى شَرّهَا ، وَلَيْسَ فِيكُمْ مَنْ تَنْقَطِعُ الْأَعْنَاقُ إلَيْهِ مِثْلَ أَبِي بَكْر ٍ فَمَنْ بَايَعَ رَجُلًا عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَإِنّهُ لَا بَيْعَةَ لَهُ هُوَ وَلَا الّذِي بَايَعَهُ تَغِرّةً أَنْ يَقْتُلَا ، إنّهُ كَانَ مِنْ خَبَرِنَا حِينَ تَوَفّى اللّهُ نَبِيّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ الْأَنْصَارَ خَالَفُونَا ، فَاجْتَمَعُوا بِأَشْرَافِهِمْ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ ، وَتَخَلّفَ عَنّا عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَالزّبِيرُ بْنُ الْعَوّامِ وَمَنْ مَعَهُمَا ، وَاجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ إلَى أَبِي بَكْرٍ فَقُلْت لِأَبِي بَكْرٍ انْطَلِقْ بِنَا إلَى إخْوَانِنَا هَؤُلَاءِ مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَانْطَلَقْنَا نَؤُمّهُمْ حَتّى لَقِيَنَا مِنْهُمْ رَجُلَانِ صَالِحَانِ فَذَكَرَا لَنَا مَا تَمَالَأَ عَلَيْهِ الْقَوْمُ وَقَالَ أَيْنَ. قُلْنَا : نُرِيدُ إخْوَانَنَا هَؤُلَاءِ مِنْ الْأَنْصَارِ ، قَالَا : فَلَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَقْرَبُوهُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ اقْضُوا أَمْرَكُمْ . قَالَ قُلْت : وَاَللّهِ لَنَأْتِيَهُمْ . فَانْطَلَقْنَا حَتّى أَتَيْنَاهُمْ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ ، فَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ رَجُلٌ مُزَمّلٌ فَقُلْت : مَنْ هَذَا ؟ فَقَالُوا : سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ، فَقُلْت : مَا لَهُ ؟ فَقَالُوا : وَجِعَ . فَلَمّا جَلَسْنَا تَشَهّدَ خَطِيبُهُمْ فَأَثْنَى عَلَى اللّهِ بِمَا هُوَ لَهُ أَهْلٌ ثُمّ قَالَ أَمّا بَعْدُ فَنَحْنُ أَنْصَارُ اللّهِ وَكَتِيبَةُ الْإِسْلَامِ وَأَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ رَهْطٌ مِنّا ، وَقَدْ دَفّتْ دَافّةٌ مِنْ قَوْمِكُمْ قَالَ وَإِذَا هُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَحْتَازُونَا مِنْ أَصْلِنَا ، وَيَغْصِبُونَا الْأَمْرَ فَلَمّا سَكَتَ أَرَدْت أَنْ أَتَكَلّمَ وَقَدْ زَوّرَتْ فِي نَفْسِي مَقَالَةٌ قَدْ أَعْجَبَتْنِي ، أُرِيدُ أَنْ أُقَدّمَهَا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ وَكُنْت أَدَارِي مِنْهُ بَعْضَ الْحَدّ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى رِسْلِك يَا عُمَرَ فَكَرِهْت أَنْ أُغْضِبَهُ فَتَكَلّمَ وَهُوَ كَانَ أَعْلَمَ مِنّي وَأَوْقَرَ فَوَاَللّهِ مَا تَرَك مِنْ كَلِمَةٍ أَعْجَبَتْنِي مِنْ تَزْوِيرِي إلّا قَالَهَا فِي بَدِيهَتِهِ أَوْ مِثْلَهَا أَوْ أَفْضَلَ حَتّى سَكَتَ قَالَ أَمّا مَا ذَكَرْتُمْ فِيكُمْ مِنْ خَيْرٍ فَأَنْتُمْ لَهُ أَهْلٌ وَلَنْ تَعْرِفَ الْعَرَبُ هَذَا الْأَمْرَ إلّا لِهَذَا الْحَيّ مِنْ قُرَيْشٍ ، هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ نَسَبًا وَدَارًا ، وَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرّجُلَيْنِ فَبَايِعُوا أَيّهمَا شِئْتُمْ وَأَخَذَ بِيَدَيْ وَبِيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرّاحِ وَهُوَ جَالِسٌ بَيْنَنَا ، وَلَمْ أَكْرَهْ شَيْئًا مِمّا قَالَهُ غَيْرُهَا ، كَانَ وَاَللّهِ أَنْ أُقَدّمَ فَتُضْرَبُ عُنُقِي ، لَا يُقَرّبُنِي ذَلِكَ إلَى إثْمٍ أَحَبّ إلَيّ مِنْ أَنْ أَتَأَمّرَ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ . قَالَ قَائِلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ : أَنَا جُذَيْلُهَا الْمُحَكّكُ وَعُذَيْقُهَا قُرَيْشٍ . قَالَ فَكَثُرَ اللّغَطُ وَارْتَفَعَتْ الْأَصْوَاتُ حَتّى تَخَوّفْت الِاخْتِلَافَ فَقُلْت : اُبْسُطْ يَدَك يَا أَبَا بَكْرٍ فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعْته ، ثُمّ بَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ ، ثُمّ بَايَعَهُ الْأَنْصَارُ ، وَنَزَوْنَا عَلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ قَتَلْتُمْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ . قَالَ فَقُلْت : قَتَلَ اللّهُ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ!.

المقولة التفسيرية:
تلك رواية ابن هشام عن ابن إسحاق. وقبل البدء في قراءة ما حدث وتأويله، لا بد من بيان المقولة التفسيرية التي استند إليها كاتب هذه السطور في مقاربة الحدث؛ وهي مقولة تستند إلى حقيقة قرآنية في غاية الخطورة والأهمية هي قوله تعالى: وممن حولكم من الأعراب منافقون، ومن أهل المدينة، مردوا على النفاق، لا تعلمهم نحن نعلمهم، سنعذبهم مرتين، ثم يردون إلى عذاب عظيم. التوبة:101. والآية من أواخر ما نزل من القرآن الكريم. وهي تصرح بوجود طائفة من المنافقين "من أهل المدينة"، المنورة، لا يعلمها النبي نفسه، فما بالنا بصحابته. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: إذا كان النبي (ص) نفسه لا يعلم شخوص هذه الطائفة، فما نفع الآية إذاً؟. والجواب واضح تماماً: الآية تحذر من دور هذه الطائفة في وسط المجتمع الإسلامي آنذاك، وضع خطاً تحت (آنذاك) لأن الآية تتحدث عن فئتين محددتين في جيل بعينه، هما فئتا المنافقين المستورين من الأعراب، ومن أهل المدينة، في الجيل الإسلامي الأول؛ أي أن الآية لا تخاطب المجتمعات الإسلامية بعد عصر النبوة، ومن ثم فإن الآية جاءت تحقق غرضاً محدداً في ذلك الجيل، لن يتحقق في أي وقت آخر. وإذا كان غرض الآية قد أصبح في حكم التاريخ، إلا أن دلالتها مازالت باقية، بدليل أنها قد تحولت هنا إلى مقولة تفسيرية ناجحة كما سنرى في السطور التالية.
ولا عبرة بتلك الرواية التي حاولت تعطيل وظيفة هذه الآية بالقول: إن النبي (ص) قد علم شخوص المنافقين، وأفضى بأسمائهم إلى كاتم أسراره حذيفة بن اليمان قبل موته، لعدد من الاعتبارات. أولها: أن الآية لا تخبر بذلك، ولا معنى لأن يسكت القرآن عن إخبار النبي بأسمائهم بعد أن أخبر بوجودهم. وثانيها: أن إسرار النبي بأسمائهم لحذيفة لا معنى له، إذا كان حذيفة لم يخبر أحداً بأسمائهم بعد ذلك كما تدل الرواية؛ إذ ما فائدة الإسرار إذا لم يحقق غرضاً للمسلمين؟ ثم لماذا يكون حذيفة كاتماً لأسرار النبي وليس أبو بكر، صديقه المقرب والمزكى في القرآن، وصهره مثلاً ؟ هل تريد الرواية أن توحي إلينا بأن النبي لم يكن يثق في كبار صحابته ومقربيه؟ أم أن في الأمر سراً لا نعلمه نحن ولا عشاق الرواية؟!. وأخيراً فإن جل المفسرين يخالفون هذا الرأي العاري من أي حجة. يقول ابن كثير في تعليقه على هذه الآية:" وقوله: { لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ } لا ينافي قوله تعالى: { وَلَوْ نَشَاءُ لأرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ } الآية[محمد:30]؛ لأن هذا من باب التوسم فيهم بصفات يعرفون بها، لا أنه يعرف جميع من عنده من أهل النفاق والريب على التعيين. وقد كان يعلم أن في بعض من يخالطه من أهل المدينة نفاقا، وإن كان يراه صباحا ومساء".أهـ. ويعلق الزمخشري في تفسيره بقوله:" { لاَ تَعْلَمُهُمْ } أي يخفون عليك مع فطنتك وشهامتك وصدق فراستك ، لفرط تنوّقهم في تحامي ما يشكك في أمرهم ، ثم قال : { نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ } أي لا يعلمهم إلاّ الله ، ولا يطلع على سرهم غيره ، لأنهم يبطنون الكفر في سويداوات قلوبهم إبطاناً ، ويبرزون لك ظاهراً كظاهر المخلصين من المؤمنين ، لا تشك معه في إيمانهم ، وذلك أنهم مردوا على النفاق وضروا به ، فلهم فيه اليد الطولى".أهـ. وكذلك الشوكاني في فتح القدير يقول:" { لاَ تَعْلَمُهُمْ } مبينة للجملة الأولى ، وهي مردوا على النفاق : أي ثبتوا عليه ثبوتاً شديداً ، ومهروا فيه حتى خفي أمرهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكيف سائر المؤمنين؟ والمراد عدم علمه صلى الله عليه وسلم بأعيانهم لا من حيث الجملة".أهـ. ويقول الطبري في تفسيره:" (لا تعلمهم)، يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لا تعلم، يا محمد، أنت هؤلاء المنافقين الذين وصفتُ لك صفتهم ممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة".أهـ. ومثل ذلك ورد في التفسير الكبير للرازي، وفي عشرات التفاسير الأخرى. مما يعني بوضوح أن النبي (ص) وصحابته الصادقين تعاملوا طوال الوقت مع منافقين خطرين ماهرين في النفاق، وهم يحسبونهم من الصحابة الأجلاء. والسؤال الكبير الآن هو: ماذا كان يفعل هؤلاء المنافقين طوال الوقت؟ وكم من الروايات الخبيثة نسبوا إلى النبي وصحابته، وتلقاها المسلمون من بعدهم على أنها وحي يوحى؟!. الجواب واضح لمن صفت سريرته وصحت عقيدته!. وسنعرض بعض تلك المرويات التي نرجح أنها من مدسوساتهم في نهاية هذا المقال.

وبالعودة إلى الآية نجد أن عبارة "ومن أهل المدينة" هي أخطر ما ورد فيها، إذ ليس للمركب اللغوي (أهل المدينة) سوى معنيين محتملين: الأول: أن يكون المقصود به كل سكان المدينة من أنصار ومهاجرين، والآخر: أن يكون المقصود به السكان الأصليين للمدينة، وهم الأوس والخزرج فقط. ونحن نرجح هذا المعنى الأخير، للاعتبارات الآتية: أولاً: لا يتصور أحد أن يكون بين المهاجرين من ينطوي على نفاق، فليس من يعرض نفسه للهلاك والتعب والهجرة من داره ومصالحه إلى دار غريبة، هو من يفعل ذلك نفاقاً. ثانيا: التاريخ يؤكد أن ظهور حركة النفاق كانت في سكان المدينة الأصليين، من أمثال عبد الله بن أبي بن سلول، وهو أحد منافقي الطائفة المكشوفة التي عرف أمرها، قبل نزول الآية كما تدل السيرة. والآية السابقة لا تقول إن كل المنافقين هم من الطائفة المستورة. وثالثاً: لأن عبارة "أهل المدينة" قرينة لفظية وعرفية واضحة على أن المقصود هم الأوس والخزرج. ولو أن الآية قصدت عموم المسلمين من مهاجرين وأنصار، لجاءت بعبارة "منكم" كما جاء في آية (الإفك) مثلاً، حين عممت بالقول: إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم. النور:11. وإذاً فقد ترجح أن يكون المقصود ب"أهل المدينة" السكان الأصليون من الأوس والخزرج، بعد استبعاد اليهود الذين لا يدخلون تحت مسمى المنافقين.

وبقراءة ما حدث في يوم السقيفة على ضوء هذه الحقيقة يمكننا القول إن المهاجرين، وعلى رأسهم أبو بكر وعمر، كانوا يتصرفون وهم يستحضرون هذه الآية. فقد خافوا _وهذا واجبهم_ أن يقع أمر المسلمين، ومنجزاتهم مع الرسول (ص) بين يدي هذه الطائفة المستورة من المنافقين، فبادروا بأنفسهم مسرعين لأخذ زمام الأمور، قبل أن يفلت من أيديهم، واستبعاد صف الأنصار بكامله من شئون الخلافة بعد أن أصبح محلاًً للظن والريب. وهو ما فسره بعض المتعجلين بأنه طمع في السلطة، وحب استئثار بها. وفي روايات السيرة من القرائن ما يؤيد هذا الاستنتاج، ومن قرائن رواية ابن هشام السابقة ما يأتي:

أولاً: مبادرة بعض أهل المدينة إلى الاجتماع في السقيفة دون إخبار المهاجرين، تدل على وجود من يدبر شيئاً في الخفاء، وأن الأمر لم يكن وليد اللحظة، سواء علم الصالحون من الأنصار أم لم يعلموا؛ ولعل ما ورد في خطبة المدني المجهول في السقيفة يدل على شيء من هذا القبيل، حين قال: "وقد دقت داقة من قومكم، وإذا هم يريدون أن يحتازونا من أصلنا، ويغصبونا الأمر". وهي عبارة تدل على ما كان يجيش في صدور بعض "أهل المدينة" تجاه المهاجرين.


ثانياً: من الواضح أن جميع المهاجرين قد انحازوا إلى أبي بكر وعمر، باستثناء أولئك الذين انشغلوا بالتحضير لدفن النبي، أمثال الإمام عليً. وموقف المهاجرين له دلالته إذا ما عرفنا أن هذه المظلة تشمل السابقين الأولين، الذين حصلوا على تزكية سماوية في قوله تعالى: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار، خالدين فيها أبدا، ذلك الفوز العظيم. التوبة:100. وهو ما يعني أن الصف الخالي من النفاق قد انحاز ابتداءً إلى أبي بكر وعمر، ثم لحقه بقية الصف المؤمن من الأنصار فيما بعد. 


ثالثاً: يقرر عمر في خطبته أن الأصل في إمارة المسلمين هو الشورى، وأن بيعة أبي بكر بتلك الطريقة لم تكن سوى "فلتة" وقى الله المسلمين شرها. وهذا أيضاً يدل على أن شيئاً خفياً هو الذي دفع أبا بكر وعمر للإسراع إلى تلك الفلتة، وتولية أحد المهاجرين، دون مشاورة المسلمين. ذلك الشيء الخفي لم يكن سوى خوفهم من أن يقع أمر المسلمين، ومصيرهم، ومنجزاتهم، بين يدي المنافقين غير المعلومين من "أهل المدينة" كما أسلفت، وفيه من خوف الفتنة ما فيه. وهذا ما يفسر ترشيح أبي بكر لعمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح، ورفض الرجلين لها، وترشيحهما لأبي بكر.
 

رابعاً: إن مقولتنا هذه تفسر أيضاً كيف أن الخلافة من بدايتها إلى نهايتها، لم تخرج عن المهاجرين. والأعجب من ذلك أن هيئة شورى الخلافة أيضا لم تخرج عنهم، إذ ليس في ما يسمى بالعشرة المبشرين بالجنة (وهم هيئة شورى الخلافة) أنصاري واحد. كما أنها تفسر أيضاً ظهور مقولة "الأئمة من قريش" وأخواتها.
 

خامساً: تخبرنا السيرة أن بعض القبائل العربية التي دعاها النبي للإسلام كانت تشترط عليه أن يكون لها الأمر من بعده، وكان الرسول يرد عليها ب"أن الأمر لله"، وأما الأنصار فقد استجابوا لدعوته من غير شرط غير "الجنة" وهذا يعني أن فكرة الخلافة لم تكن واردة في رؤوس الأنصار منذ البداية، مما يدفعنا إلى الشك في دوافع الذين استعجلوا اجتماع السقيفة منهم.
 

سادساً: لا نتصور أن هذه الآية لم تؤد وضيفتها آنذاك، وأن الصحابة لم يدركوا مقاصدها البعيدة والقريبة، خاصة وأنها تعنيهم أكثر مما تعنينا، لأن الخطاب فيها لهم لا لنا: (وممن حولكم)، أنتم أيها المسلمون في الجيل الأول. فإذا كان لهذه الآية مغزى ووظيفة، فما مغزاها بعد ذلك، وما وظيفتها، إذا كان الصحابة سيتجاهلونها؟!. أما بقية أجيال المسلمين فلم يتبق لهم من هذه الآية، ومن مثيلاتها في سورة التوبة إلا وظيفتين هما: إعادة تفسير أحداث تلك المرحلة على ضوئها، وأخذ الحيطة والحذر مما يروى لنا من روايات حديثية نقلت عن الصحابة، وفيهم بعض المنافقين الذين لا يعلمهم أحد غير الله. وهو ما يعني أن احتمال وصول أحاديث منسوبة إلى النبي زوراً وارد بقوة. وما دخله الاحتمال بطل به الاستدلال، كما تقول القاعدة الأصولية.

ومن الجدير بالذكر أن سورة التوبة، وهي آخر سور القرآن الكريم نزولا، كانت بمثابة مشهد ختامي في قصة الرسالة المحمدية، مشهد يعاد فيه ترتيب مقامات المجاهدين مع النبي (ص)، و ترتيب شرائح المجتمع الإسلامي بحسب ما قدموا من عمل صالح. فهناك شريحة "السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار" (100)، وهناك شريحة "الذين اتبعوهم بإحسان" (100)، وهناك شريحة الذين " خلطوا عملا صالحاً وآخر سيئاً" (102). وهناك "آخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم" (106). وهناك طائفة المنافقين، وهم على شريحتين، الأولى مكشوفة دلت عليها أفعالها " وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون" (42)؛ والأخرى مستورة دلت عليها آية "وممن حولكم من الأعراب منافقون، ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم، نحن نعلمهم" (101). ولو أن الأصوليين والمحدثين استوعبوا هذه السورة ومقاصدها جيدا ما قالوا بعدالة كل أفراد المجتمع الإسلامي في زمن النبي، استنادا إلى آيات أخرى مجملة. والقول بأن جميع أفراد المجتمع الإسلامي في زمن النبي عدولٌ، هو قول يتجاهل هذه الآيات، إن لم نقل إنه يتحداها. ولا أدري أي ورع وتقوى في هذا التعطيل الصريح للقرآن الكريم!.

روايات في مواجهة الآيات:
ليس من باب الذكاء القول إن هذه الطائفة المستورة من المنافقين كانت تعمل في الخفاء وبمكر كامل ودهاء، في تقويض المنجز الإسلامي الذي أرساه الرسول وصحابته الصادقين، ممثلاً في وحي الرسالة (القرآن) وفي المجتمع الإسلامي الوليد. ولا نتصور أبداً أن لا نجد لهم محاولات وآثار في هذا السياق، إلا إذا كانوا مجموعة من السذج الحمقى، وهو ما ينفيه مضمون الآية نفياً حاسماً. وإذا كانت محاولاتهم العملية قد أحبطت في زمن الوحي، فإن انقطاع الوحي بوفاة النبي (ص) قد سهل لهم تحقيق بعض طموحاتهم، إلا أن يقظة كبار الصحابة وصادقيهم قد وأدت حلمهم الأول في تعطيل مشروع المجتمع الإسلامي الوليد، فهل يأس المنافقون من تحقيق بعض المنجزات؟. ودعني أقدم الإجابة في ثوب سؤال يقول: وهل يعقل أن يتسرب اليأس إلى أنفسٍ يصفها الله _ضمنياً _ بالحنكة والدهاء في ممارسة النفاق؟!. إذن ماذا نتوقع من هذه الطائفة بعد أن أجهض الصحابة الصادقون مشروعها في السقيفة؟. الجواب: نتوقع أن تشتغل هذه الطائفة في ميدان الدس والوضع والكذب على النبي (ص). نتوقع أن ينسبوا إليه من الروايات ما يعطل نصوص القرآن، وما يضادها، وما يزرع الريبة والشك فيها. وأول ما سيخترعونه من الروايات المعطلة، روايات تعطل مهام الآيات التي تهدد مشروعهم التخريبي الخبيث. وإذا كنا نتوقع حصول ذلك منهم فلا بد أن نتوقع بالتبعية وجود مثل تلك المرويات المفبركة في تراثنا الروائي، فهل هي موجودة حقاً؟.
لقد سبق وتعرضنا في ثنايا هذا المقال لواحدة من تلك الروايات التي قصد بها تعطيل آية المنافقين السابقة، حين زعم الرواة أن النبي قد أسر بأسماء المنافقين لحذيفة ابن اليمان، في محاولة للقول _على نقيض الآية _ إنهم كانوا معروفين. وقد فندنا ذلك منذ قليل. وسنعرض على القارئ روايات أخرى تؤدي الغرض ذاته، ولكن قبل ذلك لا بد من العودة إلى نص الآية لتأويل محتواها التاريخي، وتحديداً إلى قوله تعالى "وممن حولكم من الأعراب". والخطاب كما أسلفنا موجه للنبي وصحابته في المدينة. فمن المقصود ب"الأعراب" حول المدينة يا ترى؟. يقول المفسرون إن الأعراب المقصودين هم قبائل: جهينة . ومزينة . وأشجع . وأسلم . وغفار؛ وكانت منازلهم حول المدينة ، وإلى هذا ذهب جماعة من المفسرين كالبغوي، والألوسي، والواحدي، وابن الجوزي، وغيرهم. والسؤال: هل سيترك منافقو هذه القبائل الآية تهدد حاضرهم ومستقبلهم ووظيفتهم التخريبية؟ الجواب: كلا..لن يتركوها. وإذا كانوا عاجزين عن إسقاطها من المصحف، أو تحريف دلالتها الصريحة بالتأويل، فلن يعجزوا عن اختراع روايات منسوبة للنبي (ص) تتناقض معها. والسؤال: هل هناك روايات من هذا القبيل؟. الجواب في صحيحي البخاري ومسلم، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: « قريش. والأنصار. وجهينة . ومزينة . وأشجع . وأسلم . وغفار موالي الله تعالى ورسوله لا موالي لهم غيره »، وجاء عنه أيضاً أنه صلى الله عليه وسلم قال: « اسلم سالمها الله تعالى وغفار غفر الله لها أما إني لم أقلها لكن قالها الله تعالى ». ولا تعليق!.
والآن هل كان النبي (ص) وصحابته الأخيار على حذر من خطر هذه الطائفة؟ وماذا فعلوا في سبيل الحد من خطرها؟. الجواب واضح، فقد قطع النبي (ص) الطريق أمام هذه الطائفة وأمثالها في الدس والتزوير والكذب على النبي وصحابته، فنهى نهياً قاطعاً عن كتابة وتدوين حديثه اليومي تدويناً رسمياً، كما تقول رواية أبي سعيد الخدري في صحيح مسلم " لا تكتبوا عني غير القرآن، ومن كان كتب فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج". وكما تقول عشرات الروايات المساندة في الصحاح والمسانيد، وكما يؤكد جمهور علماء المسلمين.
وعلى النهج ذاته سار الخلفاء الراشدون والصحابة الكبار حيث منعوا تدوين الأحاديث، وأمروا بحرق ما كتب منها، بل ونهوا حتى عن الإكثار من الرواية الشفهية عن النبي (ص) وهي مباحة. وقد ناقشنا هذا الأمر بتوسع في مناسبات سابقة. ومن عجيب بعض المشائخ أن يعترفوا بهذه الحقيقة ثم يتناقضون في تبريرها، كما فعل الدكتور الأزهري محمد أبو زهو في كتابه الشهير (الحديث والمحدثون) حيث قال في موضع من كتابه إن هذه القبائل قد ارتدت بعد وفاة النبي (ص) مع المرتدين، وانكشف أمرها للمسلمين. ثم يقول في موضع آخر من كتابه إن النبي (ص) قد نهى عن كتابة الحديث في زمنه خوفاً من استغلال المنافقين للرواية عن النبي!. وهو بهذا أيضاً يتناقض مع رواية الشيخين الماضية، ومع اجتهادات أخرى راسخة في بنية العقل التقليدي ليس هذا مجال ذكرها.

تقويم أولي:
والآن، كيف يمكن لأي عاقل أن يقوّم السطور الماضية، أو يحكم عليها؟. دعنا نقول _من باب الجدل العلمي فقط_ إن فهمنا للنصوص السابقة لم يكن دقيقاً، وإن مقولتنا التفسيرية لم تكن يقينية. لكن هل يستطيع عاقل أن ينكر أن هذه المقولة هي الأكثر رجحاناً في تفسير ما حدث؟ وهل يستطيع معارض أن يأتينا بمقولة تفسيرية أصلح منها في السياق نفسه؟. وليست الإجابة عن السؤالين الماضيين عملاً تخمينياً، يصعب التحقق منه. فقد حكم المختصون بنجاح أي مقولة تفسيرية إذا استطاعت أن تفسر كل، أو معظم، جوانب الظاهرة / المشكلة. وهو ما حققته هذه المقولة (أزعم) باقتدار. وفي سبيل التحقق من ذلك أضع القارئ أمام الحقائق الآتية:

1. استطاعت المقولة أن تضع تفسيراً واحداً ووحيداً لكل الأحداث والتفاصيل التي وردت في السيرة وكتب الحديث، سواء تلك المتصلة بالحدث السياسي مباشرة أو تلك التي تبدو منفصلة عنه. فعلمنا لماذا سارع بعض الأنصار إلى اجتماع السقيفة، عقب وفاة النبي (ص) مباشرة، ودون مشورة المهاجرين وبقية الأنصار. وعلمنا لماذا أسرع أبو بكر وعمر وأبو عبيدة ابن الجراح إلى السقيفة فور معرفتهم اجتماع تلك الطائفة من أهل المدينة في السقيفة، تاركين شأن التجهيز لدفن النبي لآخرين من آل بيته. وعلمنا لماذا أسرع المهاجرون الثلاثة إلى سحب البساط من تحت أقدام الأنصار، فوراً دون مشاورة بقية المهاجرين والأنصار، واعتبار ذلك "فلتة" وقى الله المسلمين شرها كما قال عمر بن الخطاب بعد ذلك. وعلمنا لماذا كانت الخلافة بعد ذلك دولة بين المهاجرين دون الأنصار. ولماذا خرج الأنصار من كل شئونها بما في ذلك مجلس شوراها. وأدركنا سرّ سكوت الأنصار على احتكار المهاجرين لشئون الخلافة. وعلمنا أيضاً سرّ نهي النبي (ص) وصحابته الكبار عن تدوين الحديث النبوي أو الإكثار من روايته. وغير ذلك من التفاصيل التي نجحت المقولة في تفسيرها.


2. تعرض هذه المقولة التفسيرية صحابة الرسول الكبار من السابقين الأولين في صورة لائقة تنفي عنهم تبعات المقولات التفسيرية السابقة، التي تضعهم في خانة الباحثين عن السلطة، من أجل السلطة، والطامعين في المجد والشهرة والهيلمان الدنيوي، أو في خانة المتعصبين لعرقهم وأرومتهم. بكل ما يعنيه ذلك من تلميح بفشل النبي في اصطفاء نخبة ممتازة من الصحابة الزاهدين في متاع الدنيا، ومن تلميح خطير بكون تلك النخبة المقربة من النبي لم تكن محلاً للثقة في نقل هذا الدين والحفاظ عليه. وكلها معان تؤدي في نهاية المطاف إلى التشكيك في سلامة الدين نفسه.
 

3. تضع هذه المقولة التفسيرية القرآن في مقام النص المهيمن في تفسير ما عداه من النصوص، بعكس المقولات التفسيرية السابقة التي تضع النص القرآني تحت سلطان النص التاريخي يفسره كيف يشاء، أو تغيبه عن الشهود بالمرة. وبتعبير آخر فإن هذه المقولة تفسر التاريخ على ضوء القرآن، ولا تفسر القرآن على ضوء التاريخ، أو تتجاهله في عملية التفسير، كما فعلت المقولات السابقة.
 

4. تجمع هذه المقولة بين الاعتراف ببشرية مجتمع الصحابة بإمكانية وقوعه في الخطأ والضلال، وبين تنزيه الصحابة الكبار تحديداً من اقتراف الأخطاء الجسيمة، وهو ما يحقق معنى الواقعية الإسلامية دون تفريط ولا إفراط. أي دون الوقوع في فخ الاتهام العلماني لنوايا الصحابة وأخلاقهم، ودون الوقوع في فخ التقديس السلفي للصحابة وزمنهم، وكلاهما وجهان لعملة واحدة، هي عملة القراءة المتحيزة غير الموضوعية.
 

5. حققت مغزى آيات سورة التوبة الماضية، إذ ليس من اللائق القول إن الصحابة (كبارهم على وجه التحديد) كانوا في غفلة عن مقاصدها ومعانيها، بدليل أنها لم تحرك ساكناً فيهم ولم تترك أثراً بينهم. وكأن القرآن كان يحدثنا عن طبقات المجتمع النبوي لمجرد الترف المعرفي ليس غير.

 

نقض المقولات السابقة:
لقد حظيت حادثة السقيفة وما تلاها من تحولات سياسية بعدد من المقولات التفسيرية قديماً وحديثاً، يمكننا إرجاعها إلى ثلاث مقولات أساسية، هي: مقولة (الأئمة من قريش) التي قال بها جمهور السنة، ومقولة (العصبية) التي طرحها العلامة ابن خلدون، ومقولة (الغلبة) التي قال بها كثير من الدارسين والمستشرقين المعاصرين. أما المقولة الأولى فهي بنصها رواية منسوبة إلى النبي (ص) يزعم أصحابها أنه قد وجه بجعل الخلافة في قريش، وعضدوا هذه الرواية بروايات أخرى مفسرة وشارطة. أما ابن خلدون فعلل جعل الأمر في قريش بقوة عصبيتهم "لأن قريشاً كانوا عصبة مضر وأصلهم وأهل الغلب فيهم، وكان سائر العرب يعترف لهم بذلك، فلو جعل الأمراء من سواهم لتوقع افتراق الكلمة بمخالفتهم وعدم انقيادهم، ولا يقدر غيرهم من قبائل مضر أن يردهم عن الخلاف ولا يحملهم على الكره، فتفترق الجماعة وتختلف الكلمة، والشارع محذر من ذلك حريص على اتفاقهم" (مقدمة ابن خلدون). وواضح أن ابن خلدون يرى أن الإمامة جعلت في قريش لقوتها وغلبتها، وكان يعتقد أن حقها في الإمامة زال بزوال قوتها وغلبتها، ومعنى ذلك أنه يفسر القرشية بالعصبية الغالبة. أما أصحاب مقولة (الغلبة) فيعتقدون أن الأمر برمته داخل في باب الأطماع البشرية، وأن الصحابة المهاجرين قد استبدوا بالأمر من دون المسلمين، استناداً إلى مكانتهم الأدبية بوصفهم جماعة النبي وقرابته، وإلى قوة شكيمتهم ومراسهم الحربي. غير أن هذه المقولات الثلاث لا تتمتع بقوة تفسيرية عالية، ويمكننا مناقشتها في السطور التالية.

نقض المقولة الأولى:
يزعم جمهور السنة أن النبي (ص) قد وجه بجعل الأمر في قريش، وبناء على هذا جعلوا "القرشية" شرطاً من شروط الإمامة الكبرى (الرياسة العامة)، ومن الواضح أن هذا الزعم غير دقيق للاعتبارات الآتية:
1. هذا الحديث من أخبار الآحاد التي لا تفيد إلا الظن، وقد ادعى بعضهم تواتره معنوياً، إلا أن بعض نقاد الحديث قد نقض هذا الزعم بكفاءة، منهم محمد العزاني في كتاب (الأئمة من قريش). ولم يكن الأمر يحتاج إلى كل ذلك العناء الذي بذله الأستاذ العزاني، إذا ما علمنا أن التواتر المزعوم عندهم ليس نقل الكافة عن الكافة، الذي كان يشترطه الأصوليون الكبار أمثال الشافعي، وإنما هو شكل من أشكال التحايل العلمي يعتمد أصحابه على تكثير سواد طرق الروايات الأحادية بغض النظر عن صحتها، وبغض النظر عن تناقضها واختلافها، كما أثبت المحدث العزاني في كتابه المذكور.
2. إذا كان النبي (ص) قد وجه بجعل الخلافة في قريش _ وهو بالمناسبة قول قد يؤيد ما ذهبنا إليه من محاولة قطع الطريق أمام المنافقين_ فكيف خفي ذلك على سعد بن عباده وهو من كبار الأنصار، وقد تورط في مكيدة من تدبير المنافقين، أرادوا منها شرعنة موقفهم، بجعله على رأسهم في السقيفة. وقد ذهب مغاضباً رافضاً مبايعة أبي بكر أو غيره، وغادر المدينة إلى الشام حتى مات، وقيل اغتيل، واتهمت الجن بقتله!.
3. ثم كيف يكتفي النبي بتعيين القبيلة التي ستتولى أمر المسلمين من بعده، دون أن يضيف أي تفصيلات تمنع الشقاق بينهم بعد ذلك؟. وكيف يوجه النبي توجيهاً كهذا ثم يجهله الأنصار؟!. وهل كان هؤلاء سيقدمون على اجتماع السقيفة لو أن هذا التوجيه كان معلوماً لديهم؟!

نقض المقولة الثانية:
أما مقولة العصبية التي طرحها ابن خلدون، فيمكن مؤاخذتها في النقاط الآتية:
1. قد تستطيع هذه المقولة تفسير احتكار الخلافة في قريش آنذاك، ولكنها لا تستطيع أن تفسر خلو مجلس شورى الخلافة من أنصاري واحد.
2. أما قول ابن خلدون " فلو جعل الأمراء من سواهم لتوقع افتراق الكلمة بمخالفتهم وعدم انقيادهم". فلا يحظى برصيد واقعي لأن هذا التكتيك إما يستهدف الأنصار، وهؤلاء عصبية الدين عندهم مقدمة على عصبية القبيلة، فضلاً عن كونه يعد استعداءً لهم لا معنى له، وإما أنه يستهدف القبائل التي أسلمت في عام الفتح وقبله وهؤلاء قد ارتد كثير منهم بعد وفاة النبي (ص) غير آبهين بعصبية قريش وهيبتها.

نقض المقولة الثالثة:
وكذلك لا يمكننا القبول بمقولة الغلبة للاعتبارات الآتية:
1. لأنها تقدم السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وغيرهم من فئات المجتمع النبوي، في صورة لا تتفق مع مكانتهم في القرآن الكريم، ولا تتفق مع المنطقي من صورتهم التاريخية. ومقولة "إنهم بشر" التي تطرح في هذا السياق قد تبرر بعض أخطائهم، إلا أنها لا تعني تحولهم من ملحمة الإسلام والتضحية بالنفس والنفيس مع النبي (ص) إلى ملحمة الاحتيال والطمع السياسيين بعد وفاته بساعات.
2. لا تستطيع هذه المقولة أن تفسر سكوت الأنصار على استلاب الخلافة منهم بالغلبة، وهم أصحاب الأرض (المدينة المنورة)، وأصحاب الأغلبية العددية فيها. وكل الدلائل قد دلت على أنهم سلموا الأمر للمهاجرين راضين غير كارهين.
3. قلنا من قبل إن فكرة الخلافة لم تكن واردة في رؤوس الأنصار منذ البداية، مما يدفعنا إلى الشك في دوافع الذين استعجلوا اجتماع السقيفة منهم. وليس صحيحاً ما قاله خليل عبد الكريم في كتابه (قريش من القبيلة إلى الدولة المركزية) من أن الأوس والخزرج كانت تنقصهم "الحنكة" السياسية، فزهدوا في أمر الخلافة والملك. بدليل أنهم الأمة الوحيدة في وسط الجزيرة العربية التي فكرت في تنصيب "ملك" عليها قبيل دخول النبي (ص) المدينة المنورة، ولولا قدوم الإسلام والرسول إليهم لكان عبد الله بن سلول قد نصب ملكاً متوجاً على الأوس والخزرج.