‏إظهار الرسائل ذات التسميات العلمانية الشاملة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات العلمانية الشاملة. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 7 فبراير 2013

العلمانية الثالثة - الجزء الأول

           
             في عدد سابق من “الجمهورية” نشر صاحب هذه السطور مقالاً بعنوان “العلمانية.. خارطة طريق جديدة”؛ اقترح فيه صيغة جديدة لمفهوم العلمانية، تتفق مع الخصوصية الدينية للمجتمع الإسلامي، وتزيل نقاط التوتر والاشتباك المفتعلة بينهما.
قامت هذه الصيغة على أساس إعادة تعريف كل من المفهومين الإشكاليين: العلمانية والإسلام، وبيان عناصر الاتفاق والافتراق بينهما، من خلال استبعاد الزوائد التاريخية الطارئة عليهما.
 وتلك هي الخطوة المنهجية الأساسية في إنتاج الصيغة الجديدة لمفهوم العلمانية.
وخلصنا من عملية التأصيل تلك إلى نتيجة أساسية، تقضي باستبعاد مفهوم العلمانية الشاملة، كما بينه الدكتور عبدالوهاب المسيري، في كتابه “العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة”، والتحفظ على مفهوم العلمانية الجزئية، التي اقترحها المسيري للمجتمعات الإسلامية.
ذلك أن العلمانية الشاملة تعني فصل القيم الدينية عن الحياة، وأن العلمانية الجزئية تعني فصل الدين عن الدولة، وكلاهما غير قابل للتطبيق في المجتمعات الإسلامية، لاعتبارات ديمقراطية، قبل الاعتبارات الدينية والثقافية.
ثم اقترحنا صيغة ثالثة للعلمانية هي الأكثر ملاءمة للحالة الإسلامية - من وجهة نظرنا - هي صيغة فصل الدولة عن المذهب؛ ونقصد بالدولة الكيان السياسي السيادي، أي نظام الحكم، كما نقصد بالمذهب: الأيديولوجيا السياسية، سواء أكانت نابعة من مصادر دينية أو كانت نابعة من مصادر مدنية، فالتشيع مذهب، والتسنن مذهب، والنازية مذهب، والشيوعية مذهب، كما أن كل فهم شخصي لنص ديني غير قطعي يدخل في باب المذهب لا في باب الدين، كما سيأتي تفصيله في مناسبات قادمة.
وكان بعض الإخوة المهتمين قد اطلع على المقال، وأشاد به إشادة مصحوبة بملاحظة نقدية أساسية، هي أن المقال المشار إليه جاء بلغة مكثفة مضغوطة، مع أن طبيعة الموضوع وأهميته كانتا تقتضيان البسط والاسترسال.
 وهي ملاحظة صحيحة، لها عند الكاتب ما يبررها، من تلك المبررات ظن الكاتب أن الفكرة ستخلق جدلاً علمياً لدى القراء المهتمين؛ باعتبار طرافتها وأهمية الموضوع في اللحظة السياسية الراهنة، ليس على مستوى الساحة اليمنية فحسب، وإنما على مستوى الساحة الإسلامية برمتها.
وكان هذا الجدل - لو حصل - كفيلاً بإثراء الموضوع، والكشف عن غوامضه، من قبل الكاتب نفسه، ومن قبل الأطراف الأخرى.
لكن سرعان ما تبين للكاتب أن الناس في حفلة “زار” سياسي طويلة، وأن الظروف غير مواتية للحديث في الفكر السياسي، إلا بعد انتهاء الحفلة!؛ لأن حفلات “الزار” بطبيعتها لا تحتمل التأمل والتفكر العميقين، كما يتطلب الفكر.
ومن هنا فقد قنع الكاتب بتحويل الموضوع إلى مشروع كتاب موسع، يصدره لاحقاً، عندما تسمح الظروف، لعل قارئاً عابراً يجد فيه ضالته يوماً ما.
إلا أن رغبة هؤلاء الإخوة، في إعادة طرح الموضوع على شكل مقال صحفي، بصورة أكثر تبسيطاً، لابد أن تحترم. وهو ما ننوي فعله في هذا المقال المسلسل؛ الذي نتوقع أن يجيب عن الأسئلة الآتية: هل العلمانية ضرورة سياسية أم ترف فكري؟ هل تتناقض مع الإسلام حقاً، أم أن الخصومة بينهما مفتعلة؟، هل المشكلة في العلمانية أم في الإسلام أم في فهمنا لهما؟.
وبما أن طرف العلمانية هو أبسط طرفي هذه الجدلية، فإن البدء بمناقشته هو أسلم الخيارات، حتى يتسنى لنا التفرغ لمناقشة المفهوم الأكثر إشكالاً، وهو مفهوم الدين/ الإسلام.
يرى الدكتور المسيري أن العلمانية ليست مفهوماً استاتيكياً ثابتاً، وإنما هي متتالية زمنية، أخذت في كل عصر صورة مختلفة عن الأخرى، والاختلاف هنا لا يعني بالضرورة التناقض والتعارض، وإنما قد يعني أن حدود هذا المفهوم كانت تتسع حيناً وتضيق حيناً آخر، فالعلمانية في البداية ظهرت كنقيض للسلطة السياسية الدينية، سلطة الكنيسة تحديداً.
 ومن هنا جاء شعار “فصل الدين عن الدولة”، إلا أن المسيري ينبه - في ملاحظة ذكية - إلى أن الدولة نفسها، وقت صك الشعار، لم تكن قد توسعت إلى الحد الذي نراه الآن، ومن ثم فإن حدود العلمانية في ذلك الشعار كانت أضيق بكثير مما لو طبقناها على الدولة في شكلها الأحدث.
إلا أن كثيراً من المثقفين الغربيين ثم العرب، قد استعملوا لفظ العلمانية بعد ذلك للدلالة على ظواهر أخرى أكثر اتساعاً وشمولاً، حتى صارت تعني في معظم الأحيان نقيض الديني.
 وقد أطلق بعض المفكرين الإسلاميين اسم العلمانية “الدهرية” على الشكل المتطرف من العلمانية؛ استنباطاً من قوله تعالى على لسان بعض الملحدين القدامى: (وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) الجاثية24، وهي كما ترى علمانية إلحادية تفصل القيم الدينية عن الحياة برمتها.
وقد أطلق المسيري على العلمانية في صورتها الأولى اسم “العلمانية الجزئية”، وعلى العلمانية في صورتها المتطرفة اسم “العلمانية الشاملة”، واعتبر هاتين العلمانيتين هما الطرفان النموذجيان للمتتالية العلمانية الزمنية، ثم رشح العلمانية في صورتها الجزئية، لتكون هي خيار العالم الإسلامي.
ويمكننا أن نخرج من كلام المسيري بنتيجتين، الأولى: أن الحديث عن العلمانية دون تبيين حدودها الدلالية المقصودة هو عمل تنقصه الدقة والموضوعية، ومن ثم فإنه أشبه باللغو، ومن حق الناس جميعاً أن يلغوا لكن ليس من حق أحد أن يلزم الناس بلغْوه.
والأخرى أن من حقنا نحن المسلمين اختيار القدر الذي يلائمنا من العلمنة، إذا دعت الضرورة أو الحاجة السياسية لذلك، بشرط أن لا يأتي هذا القدر على حساب الحقيقة العلمانية نفسها، بوصفها فضاء إنسانياً ديمقراطياً، ثبت بالتجربة التاريخية أنه الحل الأمثل لكثير من مشكلات السياسة وشرورها.
وبشرط آخر أهم، هو أن لا يأتي هذا المنتج العلماني الجديد على حساب الحقيقة الدينية، التي اختارها المجتمع نفسه، وفق مبدأ الحق الطبيعي للإنسان.
والحقيقة الدينية المقصودة هنا، بالنسبة لنا نحن المسلمين، هي الوحي السماوي، المتفق على ثبوته وحجيته، فقط لا غير، وماعدا ذلك فإنه يدخل في باب المذهب، كما سنبين لاحقاً.
والسؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل هذا ممكن؟.. هل هناك صورة تحقق المعادلة الصعبة بين الإسلام والعلمانية، دون أن تفرط في حقيقة أي منهما؟.
 هذا المقال المسلسل هو محاولة للجواب عن هذه الأسئلة وعن غيرها، وقد حققنا نصف الإجابة في السطور السابقة؛ فيما يخص الجانب المتعلق بالعلمانية، أما النصف المتعلق بالإسلام فهو موضوع الحلقات القادمة من هذا المقال

العلمانية.. خارطة طريق جديدة


             أعادت الانتفاضات الشعبية العربية الأخيرة إلى طاولة النقاش عدداً من القضايا الإشكالية المزمنة في الفكر السياسي العربي، وفي مقدمتها مفهوما العلمانية والدولة المدنية، بعد أن ارتفعت أسهم هذين المفهومين في الأوساط الشعبية مؤخراً.
وهو ما ينذر بارتفاع حدة الصراع بين أطراف الخلاف التقليدي حولهما مستقبلاً، ولا شك عندي أنه سيكون خلافاً حميداً ما بقي في دائرة الفكر.
لكن يا ترى هل بقي شيء في مفهوم العلمانية يستحق النقاش، بعد كل المداد الذي أريق حولها في الفترات الماضية؟. ألا يصح عليها ما قيل في علم النحو العربي قديماً، من أنه قد نضج حتى احترق؟!. أياً ما تكن الإجابة فإن بقاء المشكلة العلمانية على المستوى السياسي يعني أن باب الكلام فيها مازال مفتوحاً ومبرراً.
 وانطلاقاً من هذا المعنى الأخير يتساءل الكاتب: هل العلمانية مشكلة عربية لا تقبل الحل؟. هل تشبه مشكلة الرجل القصير الذي لا يمكن أن يطول مهما حاول؟!.
يتطوع الكاتب بالإجابة عن هذا السؤال بالنفي. مستنداً في ذلك إلى عدد من الحقائق:
أولاً: إن العلمانية مفهوم مضطرب غير مستقر. ومن ثم فإنه مفهوم مطاوع، يمكن تحديده بما يتناسب مع خصوصيات مجتمعاتنا العربية والإسلامية**.
ثانياً: إن الخطاب الديني السياسي المناهض للعلمانية، يعاني من عيب خطير، لا يمكن تبريره، ولا مجال للشك فيه، هو عيب الخلط بين ما هو دين وما هو فكر ديني؛ باعتبار أن الدين هو ذلك المنزل السماوي المقدس، وأن الفكر الديني هو ذلك المنتج البشري الناتج عن دوران العقل حول النص الديني.
 ثالثاً: وعليه فإن الزعم بوجود تناقض بين العلمانية والإسلام، قبل تحديد المفهومين، بصورة دقيقة وحاسمة، وقبل تخليصهما من الزوائد الطارئة عليهما، هو نوع من العبث الكلامي الذي لا يليق بأهل الفكر.
وإذا ما حسبتُ أن الحقائق الماضية محل اتفاق بيني وبين القارئ فإن المقام يقتضي طرح هذا السؤال: هل في الإمكان إعادة تعريف الإسلام والعلمانية دون المساس بحقيقتيهما الذاتيتين؟.
وبصيغة أخرى: هل في الإمكان اكتشاف العلمانية في الإسلام، أو اكتشاف الإسلام في العلمانية دون اعتساف أو تكلف يذهب بحقيقتيهما معاً؟!.
 وقبل أن يتطوع الكاتب بالجواب فإنه يود التأكيد على الحقائق الآتية:
1 - إن أية مقاربة لهذه المشكلة لا تتسم بالموضوعية هي مقاربة محكوم عليها بالفشل ابتداء، من أية جهة صدرت.
2 - إن الموقف التحليلي للمشكلة هو الأقرب نسباً إلى الموضوعية العلمية، على عكس الموقف الأيديولوجي الذي يتسم بطبيعته بالتحيز والتلوين.
3 - ستظل الأيديولوجيا هي مثار النقع في حياة العرب السياسية، ولا قرار للنظم السياسية، ولا للحياة الاجتماعية، مادامت الأيديولوجيا هي محور الصراع السياسي عندهم. 4 - لن تنتهي مشكلة العلمانية بمجرد تجاهل خصومها لها، ولا بمجرد تصلب دعاتها على أشكالها التقليدية.
وبناءً على المقدمات الماضية يمكننا طرح صيغة ائتلافية جديدة بين الإسلام والعلمانية، تحقق غايتهما الجوهرية (العدالة والسلام)، ولا تمس حقائقهما الذاتية، تقوم هذه الصيغة على مبدأ إعادة تعريف المفهومين المشكلين؛ فأما مفهوم العلمانية فقد حققه الدكتور عبدالوهاب المسيري، بصورة شبه وافية، في كتابه: “العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة”، وهو الجهد الذي يستند إليه هذا المقال، وقد خلص المسيري إلى وجود طرفين نموذجيين في المتتالية الزمنية العلمانية: طرف العلمانية الجزئية، وهي تلك الحالة التي تفصل فيها الدولة عن الدين. (مع ملاحظة التطور التاريخي لمفهوم الدولة). وطرف العلمانية الشاملة، وهي تلك الحالة التي تفصل فيها الحياة عن الدين. ثم يرشح المسيري للمجتمعات العربية العلمانية في صورتها الجزئية.
وإذا كنا نتفق مع د.المسيري في تحليله للعلمانيتين وتفريقه بين نموذجيهما الرئيسين، كما نتفق معه في رفض العلمانية الشاملة، إلا أننا - لمبررات موضوعية - نتحفظ على قبول اقتراحه بجعل “العلمانية الجزئية” مشروعاً سياسياً عربياً. وذلك للاعتبارات الآتية:
1- ليس من منطق الديمقراطية أن يكون الدين مرجعاً لمجتمع ما، ثم لا يكون مرجعاً لدولة ذلك المجتمع.
2- في الإسلام نصوص قطعية لا يمكن فصلها عن الدولة؛ لأنها تستهدف نشاطات مشتركة، مثل نصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ومنه تتأصل المعارضة السياسية)، ستظل مثار خلاف وقلق سياسيين.
3- الاستقراء الدقيق يدل على أن المشكلة ليست في الدين نفسه، بل في الفكر الديني النابت حوله. وتنحدر – تحديداً - من أربع مشكلات أصولية نوعية:
 الأولى، نصوص غير قطعية الدلالة.
 والثانية، نصوص غير قطعية الثبوت.
 والثالثة، نصوص غير قطعية الحجية.
والرابعة، قصور في الجهازين المفاهيمي والفني للمؤسسة الدينية التقليدية المنتجة للخطاب الديني.
ونخلص من ذلك إلى ضرورة تطوير مقولة “العلمانية الجزئية” بحيث لا تتصادم مع الدين نفسه، ولا تبقي على مصادر القلق.
ويمكننا فعل ذلك باقتراح صيغة جديدة للعلمانية الجزئية هي صيغة “فصل الدولة عن المذهب”. سواء أكان مذهباً فكرياً أو كان مذهباً فقهياً. وسواء أكان مذهباً للفرد أم كان مذهباً للجماعة. وسواء أكان مذهباً تاريخياً قديماً أم كان مذهباً معاصراً. إلا أن من المهم أيضاً إعادة تعريف المذهب هنا، ليشمل كل نص يحتمل التأويل على أكثر من وجه. بحسب قواعد التأويل وشروطه المقررة في الأوساط والمؤسسات المختصة. ذلك أن المذهب لا يكون إلا فهماً ظنياً لنص غير قطعي. ولهذا فإن المذاهب لا يكفر بعضها بعضاً. ويكون النص ظنياً في ثبوته إذا لم يرد بطرق متواترة، وظنياً في دلالته إذا احتمل أكثر من تأويل.
نقترح ذلك استناداً إلى:
1- أن المذهب جزء من الفكر الديني لا من الدين. وما كان من منتجات البشر فهو محل أخذ ورد. وينطبق هذا الحكم على أصول المذهب قبل فروعه. وعلى أصول المذاهب وفروعها مجتمعة أو متفرقة.
2- أن معظم المذاهب الإسلامية المعتبرة لا يكفر بعضها بعضاً على الأصول أو الفروع المختلف حولها. مما يدل على أن الآراء ذات الطابع الخاص في المذاهب لا تعد من الضرورات الدينية التي يكفر منكرها عندهم. وعليه فلا فرق بين أن ينكر مذهب مذهباً آخر، وبين أن تنكر الدولة المدنية المذاهب المختلفة جميعها مادامت تعترف بالنص الأول (الدين) الذي نشأ حوله الخلاف.
3- دل الاستقراء على أن جميع المذاهب الإسلامية التقليدية – تقريباً - قد وقعت في الخلط بين ما هو دين وما هو فكر ديني. وأظهر مثال على ذلك أن الأصوليين لم يتفقوا حتى الآن على معايير حاسمة في التفريق بين ما صدر عن النبي (صلى الله عليه وسلم) في مقام الدين (الرسالة) وما صدر عنه في مقام الاجتهاد. مع غموض شديد في مكانة الاجتهاد النبوي من طبيعة “البلاغ المبين” الذي كلف به النبي (صلى الله عليه وسلم). هذا فضلاً عن وجود كثير من المشكلات الأصولية ذات الخطورة النوعية، كحجية الإجماع، ونسخ القرآن للقرآن. وغيرها من القضايا التي يترتب على إعادة النظر فيها تعديلاً بنيوياً في فلسفة الدين نفسه.
وهنا قد يثور تساؤل من نحو: ماذا يتبقى في الدين بعد استبعاد المذاهب؟. وجوابنا واضح: يتبقى الدين الذي اكتمل قبل مجيء المذاهب!. أي مجموع النص الثابت بصورة قطعية. مقروءاً بمناهج أكثر تطوراً وارتقاءً. ونعلم أن كلمة “مناهج” هنا تثير عند البعض حساسية غير مبررة، ناتجة عن ضعف قدرتهم على التصنيف؛ إذ يعتقدون أن المناهج تدخل في باب المضامين. وأن المضامين غربية كافرة. بينما الحقيقة التي لا تخفى على المثقفين أن المنهج هو الطريقة، والطرائق من عالم الوسائل لا المضامين. ولا أظن أحداً من المعترضين يختلف معنا على الانتفاع بوسائل الغير ومواعينهم، إن كان لنا بها حاجة. وحتى لو جاءت بعض هذه الوسائل (المناهج) محملة بمنظورات غربية شاذة أو منحرفة، فإن الواجب أن نتعامل معها بحسب القاعدة المستنبطة من تعامل القرآن الكريم مع الخمرة. فننظر إن كان إثمها أكثر من نفعها رددناها، وإن كان نفعها أكثر من إثمها، قبلناها لصالح المؤمنين. وكثيراً ما فعل هذا رجال الفكر العربي في العصر الحديث. وبعضهم من المحسوبين على العلمانية والغرب!.
ومن بداهة القول: إن الذي يتصدى لعملية الحكم في صلاحية هذا المنهج أو ذاك من عدمها، هم المفكرون والفلاسفة، لا الدعاة والخطباء، لاعتبارات كثيرة منها:
 1- أنهم أصحاب هذا الاختصاص. أعني اختصاص تحليل المفاهيم والمركبات النظرية.
2- وأنهم هم الذين برعوا في نقد الحضارة عموماً، وفي نقد الظاهرة الغربية على وجه الخصوص. بينما برع الخطباء والدعاة في النقل عنهم بصورة قاصرة في أغلب الأحيان.
3 - أن مجموع من يسمّون بالعلماء والدعاة والخطباء الدينيين، هم - في أحسن أحوالهم - خبراء في ما قاله السلف الصالح. أي أنهم علماء بالتراث المذهبي لا بالدين ولا بالحضارة. وبما أن عالم المذهب يعد جزءاً من المذهب، فلا يصح أن يكون المذهب هو الخصم والحكم في الوقت نفسه.
إن استبدال شعار “فصل الدين عن الدولة” بشعار “فصل الدولة عن المذهب” هو حل يتسم بميزات كثيرة منها:
1- أن هذه الصيغة المعدلة لمفهوم العلمنة تحل العلمانيين من الحرج الذي يقعون فيه عند مطالبتهم باستبعاد الدين من الممارسة السياسية. ويوقع المذهبيين في حرج مماثل حين يصرون على جعل المذهب - وليس الدين - مرجعاً للدولة. وهو ما يعني تحييد أقوى حججهم في الصراع مع العلمانية.
2- هذه الصيغة كفيلة بطي معظم نقاط الخلاف بين التيارين الديني التقليدي وخصومه بمختلف مشاربهم، وخاصة تلك الخلافات الفقهية والفكرية حول قانوني العقوبات والأحوال الشخصية نحو: قوانين عقوبة الردة وعقوبة الرجم للزاني المحصن، وقوانين الزواج المدني وأنصبة المواريث، وغيرها من المفاهيم المشكلة أمام الحياة المدنية الحديثة!.
___________________________________________________
**(انظر: العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة - عبدالوهاب المسيري